بسم الله الرحمن الرحيم
أولا: كل عام و أنتم بخير جميعا, و جعل الله هذا الشهر لنا جميعا شهر خير و بركة, و أعاده علينا و عليكم باليمن و البركات.
ثانيا: أعتذر عن الانقطاع الطويل بسبب بعض الظروف الخاصة.
ليست هذه هي أول مرة لي في الغرب, فقد عشت فيه لزمن طويل فيما مضى, و علمت كثيرا من خفاياه, و لكن الفرق هذه المرة أنني أتيت إليه بعد ما نضجت, و طعنت في العقد الثالث من عمري, و بعد طول التأمل لمدة أول أسبوعين لي في عودتي الجديدة للغرب, اكتشفت ما يلي:
· أنا لست عالم اجتماع, و لا مؤرخ, و لكن عن طريق دراستي لتاريخ تطور القانون في دول أمريكا الشمالية, و في خضم هذه الدراسة مررت بتطور الاقتصاد و غيره من الأمور المهمة التي نشأت عليها الحضارة الغربية الحديثة, قدَرت بأن المسلمين متأخرين عن الغرب, في الناحية الثقافية, بما يزيد عن مئة و سبعين سنة. هذا ليس تحليلا علميا, و لكنني قلت ذلك بسبب بسيط, و هو أن كثيرا مما نرى اليوم في العالم الإسلامي, على المستوى الثقافي, تقرأه بحد ذاته في تاريخ الغرب قبل حوالي مائة و سبعين إلى مئتين سنة, و من أبرز المواضيع التي طرحت في تلك الفترة موضوع تقنين قانون السوابق الذي تقوم عليه دول بريطانيا, و أمريكا, و كندا, و ها نحن اليوم نناقش موضوع تقنين الشريعة, و الأمثلة غير ذلك كثيرة جدا.
· اكتشفت بأن الإنسان العربي يستطيع أن يكون إنسانا منظبطا بعد أن كنت قد يئست من ذلك. و لكن المشكلة أنه ينضبط مع الأجانب, و ما إن يعود لمخالطة اخوانه العرب حتى ينسى معنى الانضباط, فسبحان مغير الأحوال. ما زلنا, و نحن في كندا, بحاجة لنقول للعربي موعدنا الساعة الثامنة مساء إذا أردناه أن يحضر في العاشرة, إلا إن تقمصنا اسم ((جون)) أو ((مايكل)), و عندها يأتي قبل الموعد.
· اكتشفت بأن ما يميز المؤسسات التعليمية في الغرب هو حرصها الشديد على البحث و التقصي, و على مواكبة التطور في أسرع وقت, و على الاهتمام بالكتب و المكتبات, و على اتاحة الفرصة للطالب بأن يحصل المعلومة بنفسه, و بذلك يتبنى وجهة النظر الذي يرتضيها بعد بحث و تقصي, و على السماح للطالب بالحديث في جزء كبير من المحاضرة, و على الاهتمام بالأنشطة و البرامج التي تكون عن خارج التخصص. و من تأمل و تدبر وجد بأن لهذا كله سوابق في زمن النبوة, فقد كان النبي صلى الله عليه و سلم شديد الحرص على البحث و التقصي, و من برهان ذلك أنه لم يرض أبدا بدين قريش قبل أن يُبعث نبيا صلى الله عليه و سلم, و كان صلى الله عليه و سلم مواكبا للتطور في التعليم, فقد كان يأمر بكتابة القرآن, و بعض السنة, كما قال صلى الله عليه و سلم: ((اكتبوا لأبي شاة)) متفق عليه (رواه البخاري 2254 و مسلم 1355) و قصته:
((عن أَبُي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : ( لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ قَامَ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهَا لا تَحِلُّ لأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي وَإِنَّهَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ وَإِنَّهَا لا تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي فَلا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا وَلا يُخْتَلَى شَوْكُهَا وَلا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلا لِمُنْشِدٍ وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إِمَّا أَنْ يُفْدَى وَإِمَّا أَنْ يُقِيدَ فَقَالَ الْعَبَّاسُ إِلَّا الْإِذْخِرَ فَإِنَّا نَجْعَلُهُ لِقُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلا الإِذْخِرَ فَقَامَ أَبُو شَاهٍ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ : اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اكْتُبُوا لأَبِي شَاهٍ ) ))
أما الكتب و المكتبات فكانت نادرة في زمنه صلى الله عليه و سلم, بل تكاد تكون شبه معدومة في جزيرة العرب في تلك الفترة. و كان صلى الله عليه و سلم يتيح الفرصة للطالب بأن يحصل المعلومة بنفسه في بعض الأحيان, و من أمثلة ذلك:
((ما رواه أبو أُمَامَةَ رضي الله عنه أنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا !!
فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ ؛ قَالُوا : مَهْ مَهْ !!
فَقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ادْنُهْ ، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا . قَالَ : فَجَلَسَ .
قَالَ : أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ ؟!
قَالَ : لا وَاللَّهِ ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ .
قَالَ وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لأُمَّهَاتِهِمْ .
قَالَ : أَفَتُحِبُّهُ لابْنَتِكَ ؟!
قَالَ : لا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ .
قَالَ وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ .
قَالَ : أَفَتُحِبُّهُ لأُخْتِكَ ؟!
قَالَ : لا وَاللَّهِ ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ .
قَالَ : وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لأَخَوَاتِهِمْ.
قَالَ : أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ ؟!
قَالَ : لا وَاللَّهِ ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ .
قَال :َ وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ. قَالَ : أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ ؟! قَالَ : لا وَاللَّهِ ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ . قَال :َ وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالاتِهِمْ
قَالَ : فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ ، وَقَالَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ .
فَلَمْ يَكُنْ الْفَتَى بَعْدَ ذَلِكَ يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ)) ) مسند أحمد 21705 وصحح الألباني إسناده في الصحيحة370( .
و كان صلى الله عليه و سلم يهتم بالأنشطة المختلفة كالشعر, و حضور المناسبات المختلفة, و غير ذلك.
ما أريد قوله هو أن هذه الأساليب التعليمية ليست جديدة, و ليست هي صعبة الابتكار و التبني, بل هي موجودة في ثقافتنا و حضارتنا الإسلامية, فلماذا نسيناها أو تناسيناها؟
· و اكتشفت هنا أيضا بأننا معشر المسلمين لدينا من الكفائات, و النوابغ العلمية ما يثلج الصدر, بل لو ذهبت للعديد من التخصصات لوجدت بأن الأوائل فيها من المسلمين, بل من المسلمين المتمسكين بدينهم و عقيدتهم أيما تمسك, فالخلل إذن ليس في الطلاب, الخلل في مؤسساتنا العلمية التي غدت مقبرة جماعية للمواهب و القدرات, و هذه النقطة مبنية على النقطة السابقة.
· و مما يضحك, و مما يدل على غرابة أهل الغرب, أنك تجد الرجل الغني (و أنا لا أعمم, و لكن هذا موجود بكثرة) لديه الأموال الطائلة, و البيوت و القصور المشيدة, و السيارات الفارهة, و لكنه مع ذلك يمشي في الشارع خلف كلبه, و كأن الكلب هو الذي يقوده بدل من أن ينقاد, و الرجل راضٍ بذلك, ثم يتوقف الكلب فجأة, فيقف الرجل بكل هدوء و صبر, و ينتظر حتى يقضي الكلب حاجته, ثم بعد ذلك يزيل الرجل هذه الفضلات بنفسه, فسبحان الله, العزة و الكبرياء و العظمة و الكمال لله وحده.
و الاكتشفات غير هذه كثيرة, تابعوها في الأسبوع القادم في تتمة هذا المقال.
كتبه
حامد بن محمد هرساني
مونتريال, كندا
3-9-1428 هـ
15-9-2007م










من المملكة العربية السعودية
سبحان مغير الأحوال ، ألم نكن نحن السابقون الأولون لكل لك ؟؟!!
أو لم تقم تلك الحضارات على أكتاف المسلمين ؟؟؟!!!
أو لم نكن نحن أرباب هذه الثقافات كلها ؟؟؟!!!
بلى وأيم ربي ...
كنا نحن المسلمين ...
أربابها وأصحابها وروادها ....
ولكن ..!!!!
ما كان مات وانتهى ...
وما صار فات وانقضى ...
العجيب أنه _ وكما تفضلت يا حامد _ أن تلك الحضارات كلها ...
لها أصل أصيل في ديننا ...
فما بالنا تخلينا عنها ...
وضربنا بها عرض الحائط ...
وأصبح ( الغرب ) هم أربابها وروادها !!!
فالله المستعان ...
أخي حامد ....
اكتشافات جوهرية حقا ...
في فترة زمنية قياسية ...
وليستر ربي ...
ماذا ستكتشف بعد شهور ؟؟؟!!!
ولكني سأتابع اكتشافاتك بغاية الأهمية ...
وسأنتظرها أولا بأول ...
سلمت أخي الغالي ...
وسلمت يمناك ...
وإني لدعو الله أن يعينك على الغربة ..
وأن يوفقك في دراستك ...
وتعود لنا غانما مكللا بالنجاح والفلاح ...
أشكرك على اهتمامك بمدونتك ...
وعلى روعة مواضيعك وأهميتها ...
تقبل تحياتي ومروري المتواضع ...
والسلام عليكم .....
أخوك / أبو سلمان
المدينة النبوية ...
4/ رمضان /
16 / 9
دمت بخير ...