نبض القلم
ينبض القلم ... قد يبوح بالألم ... أو يطنطن للفرح و الحلم ... هكذا نبض القلم !!!
لماذا نهدم أحلامنا؟!

 

من عجائب الإنسان أنه عندما يكون صغيرا يغوص في أحلام يود أن يحققها عند بلوغ الرشد, و لكنه عندما يبلغ رشده سرعان ما يُمنّي نفسه بأن تلك الأحلام التي لا طالما ملئت حياته في يقظته و منامه لم تكن سوى أحلام طفولة لا سبيل إليها الآن. فكم ترى من طفل حلم بأن يكون رائد فضاء, أو مخترعا, أو طبيبا, أو عالما, أو حتى رجل إطفاء, ثم إذا كبر وجدته على النقيض من حلمه, ليس لاضمحلال و تغيُر حلمه, و لكن لضعف همته و قصورها أمام سهام الواقع اللئيمة.

و مما يساهم في تدمير هذه الأحلام, و وأدها في أوائل نشأتها, ربط الوظيفة المستقبلية بالمال فحسب. لا شك بأن الحصول على المال يعدُ من أساسيات أي عمل, فالإنسان يعمل ليكسب في المقام الأول, و السعي لطلب الرزق حق مشروع, بل هو واجب محتم على المرء. و لكن ليس هذا فقط هو الهدف من وراء الوظيفة المستقبلية, فهناك ما يسمى بالمردود القناعي أو الإشباعي للوظيفة المعروف باللغة الإنجليزية بالـjob satisfaction, و يُقصدُ بذلك المردود النفسي من الوظيفة, و القناعة النفسية بذلك, و الشعور بالإنجاز, و هو عامل مهم بلا شك في معيار تحديد الوظيفة أو العمل المستقبلي. و المنطق يقول بأنه كلما كان العمل ذو مردود إشباعي عالٍ كلما أدى ذلك إلى المزيد من التحفيز للموظف, مما يؤدي ذلك بدوره إلى زيادة في إنتاجه, و تكون النتيجة زيادة في الدخل و الربح. و لا ريب بأن التحفيز النفسي يُعدُ من أهم الوسائل التي تؤدي إلى زيادة في إنتاج العامل أو الموظف, إن لم يكن هو أهم عامل. فما هو الهدف من زيادة راتب العامل مثلا؟ أليس هو يرمي أصلا للزيادة من تحفيزه للعمل و الإنتاج! و من القصص التي وقفت عليها بنفسي في ذلك أنني رأيت شركة كبرى في الغرب تتردد في إعطاء بعض موظفيها مشاريع معينة لضعف مردودها من جانب الإشباع الوظيفي, بالرغم من المردود المادي الكبير منها, و نحن (أي: العرب و المسلمون) على ثقافتنا السائدة كلما رأينا ما يتعجب منه نقول: ((عش رجبا ترى عجبا)), (طيب) لماذا لا نقول: ((عش رجبا تفعل عجبا!)).

الوالدان لهما دور كبير في تدمير أحلام أبنائهما, فهذا الزمن يشهد تحولا كبيرا للمادية في المجتمعات العربية و الإسلامية. فإن كان حلم الطفل له مردود مادي قوي, فعندها لا يفتىء الوالدان في تشجيعه و تحفيزه, أما إن كان عكس ذلك فلا تنتظر إلا التحطيم, و السخط, و الغضب في الغالب حتى يُجبر هذا الإنسان على سلوك السبيل الذي يرضي والديه, بل الذي يرضي نفسه بعد أن عاش في إرهاب مرير, و وجل مستطير للمستقبل الذي ينتظره إن تلقف تحقيق حلمه. فيُوجه هذا الطفل في الإتجاه السائد نحو المادية, و يشقى في أعمالٍ يجني من ورائها بعض المال, و لكن لن ترتاح نفسيته, و لن يشعر بأنه أدى رسالته في الحياة.

المحك الدقيق في هذه المسألة هو أن كلما أحب الإنسان عمله أكثر, و اجتهد في تحقيق أهدافه, كلما كان موفقا في حياته أكثر, و إن ظهر لوالديه أو غيرهما بأن هذا الهدف ليس له مردود مادي. فالحالم نحو هدف معين سيبدع فيه, و لن يقف عند ذلك الحد, بل سيسعى إلى تحقيقه و إن اظطر للعمل في وظائف أخرى مساندة, لأن تحقيق الأحلام مطلب نفيس, يشفي علة ملازمة للصدر, لا يكاد يذهب بها إلا تحقيق الأحلام, و الشواهد على ذلك كثيرة, لا سيما في الغرب, من أناس حققوا أحلامهم, و إن كان مردودها المادي الضعيف, و حصلوا كفايتهم عن طريق أعمال مساندة, أو استثمارات, أو غيرها. ثم إن التضحيات التي يضحي بها الإنسان تختلف من إنسان إلى آخر, فبعض الناس مستعد بأن يعيش على القليل من المال في مقابل الراحة النفسية التي سيجنيها جراء تحقيق أهدافه, و البعض الآخر بالعكس, و ليس لأحد الحق في تحديد ما هو الشيء الذي يضحي به غيره في حياته, لا سيما إن كان صاحب الحلم أو الهدف بالغا عاقلا راشدا.

هذه الكلمات الوجيزة لا تدعو أصحاب الأحلام إلى التغافل عن كل شيء إلا أحلامهم, فللحياة متطلبات كثيرة لا سبيل لإغفالها عند النظر إلى الحياة بالعدسة الكلية. و لكنك أيها الحالم, إن أردت شيئا بقوة, فاستعد للركوب في لجج الصعاب, و لا تغفل عن كل مقومات الحياة. فإن كان هدفك سيؤمن لك الحياة الكريمة فبها و نعمت, أما إن كان هذا الهدف ذو مردود ضعيف في كل شيء إلا المردود الوظيفي الإشباعي, فعليك في هذه الحال أن تخطط لحياتك, و أن تنظمها, و أن تفكر في مصادر للرزق, و أن لا ترضى بأن تكون عالة على أحد. و بالتعاون مع والديك و أصحاب الخبرة ابدأ في رسم خطة مستقبلية لنفسك تستطيع من خلالها أن تُأمِّن سبيل الوصول إلى هدفك, و أن تُأمِّن مع ذلك الحياة الكريمة لك و لأسرتك, و إذا رأى منك والداك أو غيرهما هذا الحرص, و الجد, و التنظيم, لن يسعهما إلا الوقوف معك, و الدعاء لك, فللهمة العالية, و الأهداف السامية أثر عجيب, و قوة معدية تجعل الجميع يقف معك, و مع ذلك يبقى أهل الحسد و الحقد, أبعدهم الله عنا جميعا.

و تذكر قول الأديب البرازيلي الشهير باولو كويلو (و إن كان لي تحفظ على عبارته): ((إن كنت تريد تحقيق هدف حقا, فاعلم بأن جميع الكون سيتواطىء معك حتى تحققه))

 

كتبه

حامد بن محمد هرساني

3-8-1428 هـ

16-8-2007 م

 

(1) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 13 اكتوبر, 2007 07:35 ص , من قبل ريان جمال
من المملكة العربية السعودية

أخي حامد..
مقال رائع جداً جداً وما أحوجتنا إلى قراءته بهدوء واصطحاب أفكاره معنا للغوص إلى أحلامنا التي دفناها.

ليت الأمر اقتصر على الوالدين، المجتمع كله يدمر الأحلام لأنها ليست ذا ت مردود مادي جيد أو كما يقولون "مالها مستقبل". عبارة نألفها في كلامنا ولكنها غبية في مضمونها.

إلا أنني أحب أن أشير إلى مردود آخر من الأحلام والوظائف والإنجازات.

فالإنسان قد يحصل من وظيفته على مردود مادي..
وقد يحصل على إشباع ذاتي.. self satisfaction
وقد يحصل على أمر آخر أحب أن أتأمله دائماً وهو مساعدة الآخرين أو إشباع المجتمع إن صحت التسمية..
علماؤنا يشيرون إلى نقطة في غاية العبقرية تجدها في كتب الفقه الإسلامي.. إذا لم يوجد في البلد طبيب يكافئ الطبيب في البلدان الأخرى تأثم البلد كلها لأنه فرض كفاية.. وإذا لم يوجد في الأمة الإسلامية من يتقن فنا معينا يكافئ من يمارسه في الأمم الأخرى فالأمة كلها تأثم لهذا التقصير.

قس على ذلك الفيزياء والكيمياء.
وقس على ذلك الصناعات والزراعات كلها..

إن التفكير في إشباع حاجات المجتمع وكل على ثغر.. هذا التفكير يؤثر في تفكيري على المستوى الشخصي عندما أرغب في إشباع ذاتي. لأن مجتمعي بالنسبة لي أهم مني..

طبعاً ميولي ومواهبي وهواياتي لها دور.
ملكاتي وقدراتي لها دور..
أحلامي وخيالاتي لها دور..
وأيضاً إشباع مجتمعي ورغبتي في أن أسد ثغرة وأقوم بدور ينفع غيري.. كل هذا يهمني عندما أصنع أهدافي..

كانت هذه مجرد أفكار متواضعة أحببت مشاركتك فيها..



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية