نبض القلم
ينبض القلم ... قد يبوح بالألم ... أو يطنطن للفرح و الحلم ... هكذا نبض القلم !!!
لا للعنصرية في بلادنا !!!

الحمد لله الذي ألف بين قلوب أبناء هذا البلد, و جعل حِس المواطنة رابطا بين ابن مكة, و ابن عنيزة, و ابن الخرخير, و ابن الجبيل, و ابن سكاكا, تحت مظلة واحدة, و ولي أمر واحد, بعد أن كانت هذه كلها دويلات عديدة, و عوالم مختلفة, و لكن المدهش بصراحة, ما نسمع و نرى من تميز يكاد أن يتحول إلى ظاهرة, لكثرة تفشيه, و خطورة آثاره, و هذه الظاهرة هي العنصرية.

فالحجازي ((طرش بحر)), و النجدي ((بدوي ما تحضر)), و الجنوبي ((07)), و لكلٍ لقبٌ مهينٌ له, قد يقولها البعض من باب المزح, و لكن هيهات هيهات, فالتنابز بالألقاب قد يبدو و كأنه مزح, و و لكنه جارح, تذكر قول الله تعالى:

((و لا تنابزوا بالألقاب)) (سورة الحجرات آية 11)

و في ذلك يقول الشاعر الأول:

 

أُكنيه حيث أناديه لأكرمه

 و لأ ألقبه و السّوءةُ اللقبُ

 

و مع ذلك, فالمشكلة هذه لو اقتصرت على التنابز بالألقاب, و التجريح المعنوي, لكان الأمر أهون, و لكن تطاولت المشكلة, فتحولت إلى واقع عملي, في التوظيف, و في القبول في الجامعات, و في التزويج ... إلخ, فالكل لا يريد إلا ((جماعته)), و كأننا نسينا أننا أصبحنا جماعة واحدة, و كأننا نسينا بأن الحاج كان لا يسلم من أن يسرق و تنتهب أمواله و هو يسير بين مكة و المدينة, بل و كأنه غاب عنا أن أهل بريدة و أهل عنيزة كانوا يغلقون أسوار مدينتيهما في الليل خشية هجوم أهل المدينة الأخرى عليها, إلى هذا الزمن القريب الذي ظهر فيه الأمن و الوحدة تحت إمارة واحدة.

إلى متى نستمر على هذا المنوال؟ لماذا لا نحكم على الإنسان؟ و ليس على العرق أو القبيلة, فالصالح و الطالح موجود في كل مكان, و ليس الصلاح حكرا على عرق بحد ذاته, هذا كلام بديهي بلا شك, و لكنه غائب عن الواقع, و غيابه أدى إلى الشحناء و البغضاء بين مختلف فئات الشعب, و هذا الشحن سوف يؤدي إلى الانفجار في يوم ما, فلنعتبر بغيرنا قبل أن يعتبر غيرنا بنا.

كيف السبيل إلى حل هذه المشكلة؟

إن الله وضع فئتين من الناس هما المسؤولين في المقام الأول عن إصلاح المجتمع, و القيام فيه بالقسط, ألا و هم: الأمراء, و العلماء. فللأمراء التقويم, و للعلماء التعليم, فلو قام كل منهما بالمهمة المنوطة به في هذا الجانب لانحلت المشكلة و بكل سهولة و مرونة. و توضيح ذلك, أن هناك في البلد, و للأسف تميز في بعض القطاعات, على ولي الأمر أن يتدخل فيها, و يتخذ إجراءات صارمة في هذا الباب, فينصب العقوبات الحازمة على أي قضية يتبين له أنها من قبيل التميز العرقي, و عليه أن يزيد من جرعة تعليم نبذ العنصرية لأبنائنا في المدارس, و يأمر بإقامة الندوات و المحاضرات التوعوية في هذا الباب, فوحدة قلوب أفراد الشعب مصلحة لا يتهاون فيها, لا سيما على المدى البعيد.

 و من أهم ما يمكن أن يهتم فيه ولي الأمر هو نبذ القبلية و العنصرية في الزواج, لا خلاف بأن الكفاءة في النسب معتبرة, و لكن الإسلام جاء بجلب المصالح و درء المفاسد, فمفسدة منع الزواج بسبب اختلاف عرقي أو قبلي أصبح عائقا من اندماجية المجتمع, و تداخله مع بعض, و من أقوى وسائل تقوية الروابط بين كافة أطياف المجتمع هو الزواج, فالحجازي الذي يكون من أم نجدية لن يكون عنصريا ضد نجد, و النجدي الذي أمه حجازية لن يكون عنصريا ضد الحجاز, و هلم جرا, فعلى ولي الأمر أن يشجع على زواج كافة أطياف المجتمع من بعضها البعض, عن طريق إقامة الندوات التي تشجع على ذلك, بل قد يزيد على ذلك, و يقدم تسهيلات مالية لمن أراد أن يفعل ذلك, و لا يجبر أحدا على ذلك, فالكفاءة في النسب حق لولي المرأة, و قد قال بعض أهل العلم بوجوبه, مع ضعف هذا القول. و هذا التوجه, إن انتهجه ولي الأمر, سيحد من مشكلة أخرى متفشية, و هي مشكلة عضل المرأة و العنوسة, و لهذا الموضوع مقام آخر.

أما العلماء, فعليهم دور كبير جدا أيضا, و مما يؤسف بصراحة ما حدث في إحدى القنوات في برنامج من برامج الفتاوى, إذ اتصل أحد المشاهدين على أحد المفتين المعروفين و المشهورين فقال بأن طرش البحر (و يقصد بذلك أهل الحجاز) هم الذين يفسدون البلد, و هم أهل الفساد إلى غير ذلك من الكلام, و أطال في الهمز و اللمز, ثم انتهى من مكالمته, و لم يحرك الشيخ ساكنا, و لم يرد بكلمة على ما افترى به هذا المفتري, فتعجبت, و رسلت إلى الشيخ برسالة أنبهه فيها على خطورة سكوته في مثل هذه المواضيع, و لكنه مع كل ذلك لم يتكلم عن هذا الموضوع في الحلقات القادمة, و للأسف.

فللعلماء دور كبير, و إن تقاعس العالم الذي ذكرت قصته, و لهم في ذلك أسوة بالنبي صلى الله عليه و سلم, فقد روى الإمام البخاري و مسلم (و اللفظ للبخاري) عن أبي ذر رضي الله عنه قال: ساببت رجلا فعيرته بأمه, فقال لي النبي صلى الله عليه و سلم: ((يا أبا ذر أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية)), و قد قرأت شرحا جميلا لهذا الحديث للشيخ ناصر العمر, أسوقه لكم بنصه:

((إذا كان تعيير الرجل بأمه؛ يستحق المعيّر معه هذا الزجر الشديد ((إنك امرؤ فيك جاهلية)) وهو صحابي جليل له أسبقيته ومواقفه، فما جزاء الذين يفْرون في أعراض إخوانهم فرْياً؛ طعناً في آبائهم وأجدادهم بل وقبائلهم وبلدانهم، وأي وصف يستحقه أولئك. إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأبي ذر الصحابي الذي ما أظلت الغبراء ولا أقلت الخضراء من ذي لهجة أصدق منه، الذي يعيش وحده ويبعث وحده، يقول له النبي صلى الله عليه وسلم مرتين إنك امرؤ فيك جاهلية مرتين ولا يلتفت لعذره، فما بال الذين ينتقصون شعوبا بأسرها ويحتقرون قبائل بأكملها، ينتقصونهم في قلوبهم أولا وفي ألسنتهم ثانيا ثم ما يترتب على ذلك من تصرفات وأحكام، ظلمات بعضها فوق بعض. ما ذنب هؤلاء أنهم من بلد كذا أو قبيلة كذا؟ وما جهد المنتقص ليكون من القبيلة الرفيعة المنزلة؟ ترى الواحد منهم يرى أحدا فيظنه من قبيلة كذا لشكله أو لأي قرينة أخرى فيحتقره في قلبه، ثم ما يلبث أن يعلم أنه من قبيلة أخرى أو أنه ابن فلان التاجر حتى يحس أن قلبه قد انقلب وأنه يجد في نفسه تعظيما له. على الناس أن يتقوا الله وأن يتقوا يوما يحصل فيه ما في الصدور.)) (http://www.almoslim.net/sound/show_lesson_main.cfm?id=71&bid=3)

 

فالنبي صلى الله عليه و سلم أنكر على أبي ذر رضي الله عنه, و لم يتوان في ذلك لثانية واحدة, لأن هذا الخلق إذا ظهر في المجتمع الإسلامي, أفسده فسادا عريضا, فلذلك أغلظ النبي صلى الله عليه و سلم على أبي ذر رضي الله عنه, و خلّد الله كلمات النبي صلى الله عليه و سلم في هذا الموقف, ليذكر كل من عيّر بالعرق, بل ليكون هذا الحديث قلادة في عنقه, مكتوب فيها بالخط العريض: إنك امرؤ فيك جاهلية.

فللعلماء دور كبير و مهم, فهم قدوة العامة, منهم تُتعلم الأحكام, و منهم تأخذ الفتوى, و بسكوتهم و عدم مبالاتهم يضيع الدين, و تتفرق الأمة, فلابد على العلماء أن يخطبوا عن هذه الظاهرة في الجُمَع, و أن يلقوا فيها المحاضرات, و الدروس, و أن يألفوا في ذلك الكتب, و أن ينكروا على كل من أظهر هذه العنصرية المقيتة أمامهم, حتى يسلك العامة دأبهم, فوحدة قلوب المسلمين من أهم مقاصد الشريعة, و قد قال تعالى:

((و ألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم و لكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم)) (سورة الأنفال آية 63)

قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: ((التأليف بين قلوب من بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الآيات الباهرة، لأنّ العرب - لما فيهم من الحمية والعصبية، والإنطواء على الضغينة في أدنى شىء وإلقائه بين أعينهم إلى أن ينتقموا - لا يكاد يأتلف منهم قلبان، ثم ائتلفت قلوبهم على اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتحدوا، وأنشؤا يرمون عن قوس واحدة، وذلك لما نظم الله من ألفتهم وجمع من كلمتهم، وأحدث بينهم من التحاب والتوادّ، وأماط عنهم من التباغض والتماقت، وكلفهم من الحب في الله والبغض في الله، ولا يقدر على ذلك إلا من يملك القلوب. فهو يقلبها كما شاء. ويصنع فيها ما أراد))

يا أيها الناس, الحجاز, و نجد, و الجنوب, و الشمال, و الشرق كلها على الرأس, فالحجاز أرض الحرمين, و قد قال النبي صلى الله عليه و سلم عن أهل الحجاز: ((الإيمان في أهل الحجاز)) رواه مسلم

 و نجد فيهم بني تميم و قد قال فيهم أبو هريرة رضي الله عنه: ((لا أزال أحب بني تميم من ثلاث سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( هم أشد أمتي على الدجال) قال : وجاءت صدقاتهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( هذه صدقات قومنا) قال: وكانت سبية منهم عند عائشة رضي الله عنها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أعتقيها فانها من ولد اسماعيل( )) رواه البخاري و مسلم.

 و الشمال و الجنوب كانا جغرافيا من الشام و اليمن الذين قال فيهما النبي صلى الله عليه و سلم: ((اللهم بارك لنا في شامنا و يمننا)). رواه البخاري و الترمذي و أحمد.

فلكل المواقع فضائل ذكرها النبي صلى الله عليه و سلم, و لكل موقع نقائص كذلك, أظهرها لسان الواقع, و هي من طبيعة البشر, فليس الكمال إلا لله عز و جل. فإذن و الحال هذه, فلنترك عنا هذه التهافات, و لنجتمع جميعا على قلب واحد, لا يفرق بيننا عرق, و لا تفرق بيننا قبيلة, و لنعتبر بالحروب العرقية التي مضت و قضت, فكلها بدأت بمثل هذه التفاهات, حتى امتلئت القلوب بالضغائن و الشحناء, ثم تولد بعد ذلك الانفجار.

 

كتبه

حامد بن محمد هرساني

8-7-1428 هـ

22-7-2007 م

 

(1) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 22 يوليو, 2007 07:01 م , من قبل AZK
من بريطانيا العظمى المملكة المتحدة

Jazaak Allah Khair



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية