نبض القلم
ينبض القلم ... قد يبوح بالألم ... أو يطنطن للفرح و الحلم ... هكذا نبض القلم !!!
تعليمنا ((الفاشل)) في العالم العربي, و سبع نقاط في كيفية تحسينه

هل تعلم بأن ما يزيد عن 30% من الطلاب في المدارس و الجامعات العربية لا يستطيعون مجاراة الطلاب المماثلين لهم في المستوى الدراسي في البلاد غير العربية. هذه معلومة أخذتها من قناة الرسالة في الحوار الذي أداره الدكتور طارق السويدان عن مستوى التعليم في البلاد العربية, و مما ذُكر أيضا في الحوار, أن من بين تصنيف 46 دولة في مجال المستوى التعليمي للعلوم التطبيقية و الرياضيات, احتلت المملكة العربية السعودية, و للأسف الشديد, المرتبة الثالثة و الأربعين !!

فإذن لابد من دق ناقوس الخطر, بل لا بد من التطبيل عليه بشدة, فإلى متى نصبر على هذه الحال من تدني التعليم؟ و أي مجتمع سنبني و الحال هذه؟ و كيف لنا أن نسعى إلى أن نلحق بركب التطور التقني و الاقتصادي, و ثلث طلابنا لا يستطيعون مجاراة أقرانهم في شتى بلدان العالم؟ و مما يحز في النفس, و يفت الفؤاد فتا, أن مشكلة التعليم ليست هي تلك المشكلة التي تحتاج إلى مئات القرون و الدهور لحلها, بالإضافة إلى أنه لا حاجة إلى البدء من البداية لحلها, بل نستطيع أن نبدأ من حيث انتهى الأخرون.

و مما استغربت منه في حياتي هذه, أنني و أنا في الجامعة الإسلامية, قررت علينا مادة ((طرق التدريس)), ففرحت لذلك أيما فرح, و تشوفت نفسي لدراسة هذه المادة الهامة جدا لأي معلم و مربي, و لكن سرعان ما تحول هذا الفرح إلى خيبة أمل و تثبيط, فالدكتور الذي درسنا, نعم الدكتور, كان يشرح لنا كلاما رائعا في كيفية تعليم الأبناء, و لكن المشكلة تكمنت في أن هذا الدكتور الفاضل كان يشرح كلاما لا يمت بصلة إلى تطبيقه العملي الذي نراه, فببساطة شديدة: كان من أسوء الناس الذين رأيتهم في حياتي في طريقة تدريسه. و هذه مشكلة متفشية في تعليمنا, و هي أن الأستاذ نادرا ما يطبق ما يشرح, لا سيما في المجالات التربوية. و مما هو معلوم, أن الطالب قد يعرض عن تعليم المعلم إذا رأى أن المعلم يعرض عن تعاليمه و لا يطبقها, و قد ألف الخطيب البغدادي كتابا في هذا المجال, و اسماه ((اقتضاء العلم العمل)).

سؤال مهم: كيف نحسن التعليم في بلادنا؟

هذا سؤال مهم, إذ لا داعي للإطالة في تشخيص مرض قد أصاب الجميع, حتى عرفوا دقيقه و جليله.

و الجواب سيكون عبر نقاط, حتى يسهل قراءته و استيعابه:

·        الرفع من مستوى التأهيل للمعلمين: فكليات المعلمين, و الجامعات لا تخرج, في الجملة, معلمين يرتقون للمستوى المأمول الذي من خلاله نستطيع أن نحقق رقيا في تعليمنا. و قد يقول قائلا: هذا يلزم منه الدور, و معنى الدور: أنه للرفع من مستوى المعلمين لا بد من تحسين التعليم, و لتحسين التعليم لابد من رفع مستوى المعلمين, فكيف يتحقق ذلك؟

يتحقق ذلك بطريقتين:

الأولى: التركيز على ابتعاث المعلمين إلى أرقى الجامعات في الخارج حتى يحصلوا على الكفاءة العالية في ما يرغبون تدريسه, ثم يعودون مؤهلين, من غير حاجة إلى أن يكون التأهيل, في بداية الأمر, عن طريق مؤسساتنا التعليمية, فتركز الدولة على ابتعاث المعلمين في شتى المجالات, أكثر من غيرهم, و من فوائد هذه الطريقة أنها في النهاية ستحقق لنا اكتفاء ذاتي, أي لن نحتاج إلى الابتعاث الخارجي بكثرة, لأنه سيكون لدينا عصارة ما في جامعات الغرب متجسدة في المعلمين الذين ابتعثناهم في شتى المجالات, فما علينا إلا أن نُفّعل هؤلاء النخبة في التدريس و التربية, مع امدادهم بكل ما يحتاجون إليه من إمكانيات, أما الحال الآن (أعني: في الابتعاث) فلا جدوى منها على المدى البعيد, إذ أنها بمثابة المسكنات للألم المزمن, و هنا يجدر التنبيه على أهمية المحافظة على ديانة و أفكار المبتعثين من المعلمين, حتى لا يرجعوا إلينا بأفكار تغريبية و حداثية خارجة عن ديننا, و أخلاقنا, و قيمنا, لأنهم لن يبتعثوا لأنفسم, و إنما سيبتعثون لتعليم أبنائنا في المستقبل, و حفظ المبتعثين من الزيغ موضوع طويل, لعله أن يفرد في مقالة أخرى حتى لا يتشعب موضوع هذه المقالة.

الثانية: استقطاب أفضل المعلمين من شتى بقاع الأرض (و هذه الطريقة قد تناسب التعليم النسائي لحرمة سفر النساء بلا محرم, و مع ذلك فيكون من الصعب ابتعاثهن, إلا إن ذهب معهن محرم, و هذا قد لا يتحقق لكثير من النساء), في كل مجال بحسبه, و نتخلى عن العنصرية المقيتة التي هي ((السعودة)), على الأقل حتى يكون لدينا كفاءة سعودية تستطيع القيام بهذا العبىء.

 

·        الصرف على التعليم و على الإمكانيات في المدارس, فالدول العربية تصرف ما بين 3 إلى 4% من ميزانيتها للتعليم, بينما تصرف ما يربو على 60% على السلاح, و مع ذلك, إذا اشتعلت الحروب, لا سمح الله, استعنا بدول أخرى تحمينا, أما عند الدمار الشامل الذي يحدث كل يوم بسبب ضعف التعليم لدينا, فنتورع عن الاستفادة من الغرب فيما توصلوا إليه من تطور معرفي و تعليمي, الشاهد أنه لا بد من الصرف على التعليم, و إيجاد مختبرات حديثة في المدارس, و شاشات عرض, و منشئات رياضية, و فصول دراسية, و تقنية عالية, و هذا مما يكفل زيادة رغبة التعلم من قبل المتعلم, و التعليم من قبل المعلم.
 
·        لا بد من تفعيل الجوانب الأخرى للتعليم, فالتعليم ليس فقط دروس و واجبات مدرسية, التعليم له نواحي أخرى تربوية, و كذلك له نواحي مساعدة, كالرياضة في المدارس, و المسرحيات (بما لا يخالف الشرع الحنيف), و الرحلات, و التمارين التي تنمي مهارات العمل الجماعي لدى الطلاب إلخ, و هذه الأشياء موجودة على استحياء اليوم, كل ما علينا إذن هو أن نفعل هذه الجوانب, فإنها تكميليات العملية التعليمية, فمثلا, أتذكر عندما كنت أدرس مادة السياسة في مدرستي الداخلية في بريطانيا, كانت لنا رحلة للبرلمان في لندن, و شاهدت بأم عيني رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير و هو يجيب على انتقادات المعارضين له في البرلمان, و كذلك زرنا الكثير من النواب, فكان لهذه الرحلة وقعة في نفسي, حفزتني للمزيد من التعلم و الاجتهاد, و إن كانت الرحلة لم تفيدنا كثيرا من الناحية المعرفية, فقد درسنا السياسة البريطانية بالتفصيل, و لكن رؤية هذا العلم يطبق أمامنا متمثلا بأعلى ممثليه في العالم كان بلا شك مفيدا للغاية في شحذ الهمم للدراسة و التعلم.
 
·        من المهم جدا أن يكون للطالب, إذا وصل إلى سن معينة, رأي فعال في توجيه سير عمليته التعليمية, فمن الطبيعي أن لكل إنسان ميول تختلف عن ميول الآخرين, و له الحق كذلك في الخوض فيما يميل إليه, فإذا درس الطالب المدرسي أساسيات العلوم المهمة, كعلوم الدين, و اللغة, و العلوم التطبيقية, و الرياضيات, و التاريخ, فمن الأفضل أن يختار هو ما يريد التوسع فيه جرايانا مع ميوله و أحلامه المستقبلية, في المرحلة الثانوية مثلا. أما عن التقسيم الحالي: العلمي و الأدبي, ففيه عيوب كثيرة, على رأسها أن المواد فيه كثيرة جدا و متعبة, ثم إن من عيوبه أنه لا يسمح للطالب أن يجمع بين المواد العلمية و الأدبية, و هناك الكثير من الطلاب من يحب أن يكون أديبا طبيبا, أو مؤرخا و فيزيائيا, أو غير ذلك, فلماذا نحجر عليه؟ و لماذا لا نسمح للطالب في التنويع بين المواد العلمية و الأدبية؟ فلكل إنسان رغبته, و ليس لأحد أن يحول بينه و بين رغبته بغير حق.
 
·        إنشاء مدارس تتنوع في مستوياتها, ليدخل كل طالب في المدرسة التي تناسب مستواه, فالطالب الذكي و المجتهد يحتاج إلى رعاية و اهتمام تختلف عن الرعاية التي يحتاجها الطالب بطيء الفهم أو الكسول, و لا يعني هذا الكلام إنشاء مئات المدارس التي يكمن فيما بينها تفريق دقيق في المستويات, و لكن تكون هناك ثلاثة مستويات مثلا, مستوى الموهوبين, و مستوى الطالب المتوسط, و مستوى الطالب البطيء أو الضعيف, و تحدد مستويات الطلاب عن طريق اختبار شامل في نهاية المرحلة الابتدائية, و بامكان الطالب أن يترقى أو أن ينزل مستوى بحسب اجتهاده و علاماته, فهذه الطريقة مهمة لأن الطالب النابغ إذا لم يكن مع من هم أمثاله, و كان مع طلاب ضعفاء, ضعفت همته و رغبته في الاجتهاد و التحصيل, أما إذا كان مع أقرانه الذين يماثلونه في الذكاء تقريبا, ففي هذه الحالة سيجتهد و ينافسهم لشعوره بالتحدي, و كذلك الطالب الضعيف, قد يُحبط إن وُجد بين أذكياء, و لكنه إن كان بين من هم مثله, زاد في اجتهاده, و من حيثية أخرى, فطريقة تدريس الأذكياء تختلف كثيرا عن طريقة تدريس المتوسطين أو الضعفاء, فالذكي يفهم سريعا, و لا يحتاج إلى شرح مطول, و أمثلة كثيرة, و الطالب الضعيف بالعكس, فإن اتبع المدرس طريقة تدريس الأذكياء, لم يفهم الضعفاء, و إن اتبع طريقة تدريس الضعفاء, ملَّ و تضجر الأذكياء, فهذه طريقة رائعة في تحريك رغبة التعلم و الاجتهاد لدى الطلاب, و هي التي كان معمول بها في المدارس الداخلية في بريطانيا أثناء دراستي فيها, و كانت طريقة ناجحة على حسب ما رأيت.
 
·        لا بد من التعديل في المناهج التعليمية, و التركيز على جانب الفهم, و النقد, و التحليل, مع مراعاة جانب الحفظ لما لا بد من حفظه في كل مادة, لكن المشكلة في مناهجنا أن جانب الحفظ قد طغى على كل جانب, حتى أصبح الطالب كالبغبغاء يتمتم كلاما لا يفهمه, و مشكلة الحفظ بلا فهم و تحليل, أن هذا الحفظ سرعان ما يُنسى, و قد قيل: آفة  العلم النسيان, أما إذا فهم الطالب, فحتى لو نسي ما حفظ, فيبقى معه المقصود مما حفظ. و من فوائد التركيز على الفهم, أنه ينمي عند الطالب ملكة التحليل, الذي هو تابع للفهم, و هذا من أكبر المنافع التي قد يجنيها الطالب من المدرسة. مع التأكيد مرة أخرى على أهمية الحفظ فيما يحتاج إلى حفظه, فلا يلغى هذا الجانب.
 

·        العمل على حماية و حفظ حقوق الطلاب, فمن المشاكل التي نواجهها تسلط الكثير من المدرسين على الطلاب, و احتقارهم, و تهديدهم بالاختبارات الصعبة كلما حصل منهم ما لا يرضاه المدرس. و هذه الأساليب الجاهلة الظالمة لا بد أن يُقضى عليها, و من المهم جدا أن تُصاغ لائحة حقوق طلاب تكفل أبسط حقوقهم, و هذه اللائحة تعلق في الجامعات و المدارس, و تعطى للمعلمين قبل الطلاب, و تنصب عقوبات صارمة على من خالفها, فلا يحق لمعلم أن يهدد الطلاب بالاختبارات, و لا يحق له احتقارهم و سبهم, و لا يحق له ضربهم, و لا يحق له أن يغيب بدون أن يخبرهم, فكم حضرنا إلى الجامعة و غاب المعلم بدون أن يخبرنا, فننتظر نصف ساعة أو أكثر, خشية أن يأتي و يفوت علينا الدرس, فهذه التجاوزات ضد الطلاب لا بد أن تُحد بحد حتى لا يشعر الطالب بالظلم, و كذلك لا بد من حفظ حقوق المعلمين في نفس لائحة الطلاب, حتى يعلم كل من المعلم و الطالب ما له, و ما عليه.

 

هذه بعض النقاط المهمة في سبيل الرقي بتعليمنا في العالم العربي, و هي ليست شاملة, بل هناك غيرها مما قد يضارعها في الأهمية, و لكن هذا ما نسجه فكري, و سطره مدادي اختزالا, فإن وُفقت, فذاك فضل ربي لا إله إلا هو, و إن جانبت الصواب فمن نفسي و من الشيطان.

و أسأل الله أن يصلح تعليمنا ليرتقي إلى أرقى المنازل, و أرفع المستويات, حتى نبني شعبا مجيدا, يردُ لنا مكانتنا بين الأمم, و يحفظ لنا هيبتنا, و يكفل للمسلمين مشاركة فعالة, كما كانوا دائما في الماضي, في التحضر و التقدم للإنسانية بأسرها.

 

كتبه

 

حامد بن محمد هرساني

المدينة المنورة

27-6-1428 هـ

12-7-2007 م

 

(3) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 13 يوليو, 2007 04:16 ص , من قبل AZK
من بريطانيا العظمى المملكة المتحدة


Thank you for this brilliant article! I agree with that we have to start where others have reached and not from the begining.. but I am unsure how it is possible to do so while maintaining our muslim identity? do we as muslims have a strong position on issues which these teachers traveling to the west will be facing e.g. The Big Bang Theory, and The theory of Evolution?
I'd be interested to hear your point of view on how to tackle this issue. Then with regard to dividing students according to their strength its worth noting this is being done at DAF for english classes(divided into A B and C), but what tends to happen is people at the bottom end very rarely climb up the ladder.. Perhaps smaller classes could be an alternative allowing more participation and encouraging students to be more productive. Also don't you think at the begining of solving our problem with education we need to identify When and why we reached this miserable state of intellectual decay and stagnation?
Sub7an Allah just a few hours ago I read a lecture transcript by Ziaudine Sardar on the subject maybe you would be interested to check out the link though I personaly don't agree with all he
has to say its still worth reading
http://www.royalsoc.ac.uk/page.asp?tip=1&id=5747
.
Once again Thank you for this
excellent article and please dont forget us from your du3aa.

اضيف في 13 يوليو, 2007 06:17 ص , من قبل hamidharasani
من المملكة العربية السعودية

Thanks for passing by AZ,

I do not believe that it is difficult to start off where others reached, maintaining our Muslim identity because what we are aiming to learn from them is their philosophy of teaching and schooling; yes, we should learn the content as well, however the philosophy of schooling of teaching is more important. The big bang theory has been proven by the Quran and many Islamic Scholars spoke of it (upholding of course that the creation theory) but they are not necessarily in contrast to each other; you will have to refer to a scientist on such issues. The evolution theory has not yet been proven; but again refer to a scientist on this.

but what is more important, is that we must teach our people to be more analytical and critical, therefore safeguarding that they would not just accept everything they hear. This attitude will protect our Muslim identity, as Islam does not form a hurdle against science and learning.

dividing students: it is not a question of climbing up or going down. it is a question of making sure that every group receives the sufficient educational care they need. In the end, they will all sit the same exams giving all equal opportunity in achieving the highest grades.
smaller classes is also a great idea, ensuring that students get more care. Generally, the lower the teacher student ratio is, the better the educational system is providing the teacher is capable and the curriculm is to a high standard.

the question of when and why we reached this state has been excessively tackled by many people, I even wrote about earlier in article called "why did we fall", I think Muslims in general have a pretty clear view of when and why. The problem is that we are spending so much time on "when" and "why" to an extent that it is hindering us from "how" and "action"

nevertheless, i read the article you linked below; it sta

اضيف في 14 اغسطس, 2007 08:20 م , من قبل ريمو
من المملكة العربية السعودية

والله انك صادق ... وعندنا مشكله المناهج معلوماتها قديمه ماتتجدد مع انه المفروض كل سنه تتغير مثال على كدا في مادة الجغرافيا من مواضيعها اثبات كروية الارض .... العالم طلعت الفضاء وصورت الارض وراحت القمر ونحن نثبت ان الارض كرويه ...وغيره الكثير ...شكرا على الحلول لرقي التعليم لكن متى التنفيذ ؟؟



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية