بسم الله الرحمن الرحيم
هل فكرت في يوم من الأيام بأنه سيأتي زمن يكون زماننا فيه من التاريخ؟ لك أن تتخيل ذلك اليوم الذي سيتحدث عنا أبناؤه فيه كما نتحدث نحن عن عصر الدولة الأموية, أو العباسية, أو العثمانية, أو غيرها. لك أن تتفكر و تبحر و تحلم عن كيفية حديثهم عن لباسنا, و عادتنا, و ثقافتنا, و إنجازاتنا ...
و عندها ستقف, لأنه و بكل بساطة, حتى الخيال لا يستطيع أن يخترع لنا إنجازات, و لن يسطر التاريخ أيضا إنجازات لم تكن موجودة بلا شك !!! لأننا حتى لو فرضنا كون هناك بعض التلفيق و المبالغات في التاريخ, فهذا التلفيق يكون لصالح المنتصر, و التاريخ كما قيل: يكتبه المنتصر. بل مما قد يخيف و يبعث في النفس المزيد من الروع, أنه في بعض الأحيان تكون المبالغات التاريخية في ذم المنهزم بما يزيد عن الحقيقة التي كانت في الواقع, و يا ترى ماذا يتسطيع المؤرخون أن يزيدوا في ذمنا؟
سيكتب التاريخ بأن المسلمين في العراق قتلوا عراقيين أكثر مما قتلوا عناصر من الجيش الأمريكي المحتل!!!
سيكتب التاريخ بأن الفلسطينيين انشغلوا بذبح بعضهم البعض عن تحرير أرضهم من اليهود؟؟ و سيسأل المحللون في تعليقهم على هذا الحدث: هل كان الفلسطينيون يستحقون النصر؟ بل ربما يتسائلون: هل اليهود كانوا أرحم و أرأف بالفلسطينيين من أنفسهم؟
سيكتب التاريخ بأن لبنان أبت لنفسها إلا الحرب, حتى بعد ما ذاقت و ترنمت ببرد السلم !!
سيكتب التاريخ عن أفغانستان و الشيشان, و غيرها من الدول الإسلامية المجروحة, التي لا تكاد تجد عقار يعالجها, و قد صدق الشاعر في قوله:
بعض الجروح إذا داويتها اندملت و بعضها لا تداويه العقاقير
سيكتب التاريخ بأن الأمة الإسلامية إذ كانت تشاهد كل هذه المصائب و تعيشها, كانت تقيم مسابقات تنشر الرذيلة و تقتل العفة, و كل ما هو خلق إسلامي, كستار أكادمي, و غيرها كثير, و سيقول القارىء للتاريخ في المستقبل: لو كانت هذه المسابقات لا تخالف الإسلام, جدلا و فرضا, لكانت الأخلاق الحميدة, و الغيرة على المسلمين تقتضي عدم إنشاء مثل تلك الاحتفالات و المسابقات, في أيام يُنحرُ المسلمون فيها كالأضاحي يوم النحر.
سيكتب التاريخ عن تجار المسلمين الذين تسارعوا في دعم صفقة اللاعب الفلاني, أو القناة الهابطة المعينة, أو الحفلة المعينة, و تباطئوا في التبرع لانقاذ المسلمين من الفقر و الجوع اللاذع في الدول الإسلامية الفقيرة!!!
سيكتب التاريخ عن ضعف العلم لدينا, و عن ضعف المعلمين, فيدّرِس النحو من لا يجيده, و الرياضيات من لا يتقنها, و القرآن من لا يجوده, و العلوم تُدّرس بلا مختبرات و لا تجارب, أُمِيت العلم حتى أصبح مجرد نظريات لا حقيقة لها في واقع الطلاب, و مما سيسطر أيضا, أن التربية غيبت عن مفهوم التعليم تماما, حتى تربى كثير من أبناء المسلمين في الشوارع, و على القنوات الهابطة, و غيرها.
سيكتب التاريخ عن حكام حاربوا شرع الله في بعض الدول الإسلامية, فلم يسمحوا للمرأة أن تعمل و هي متحجبة, و لم يمانعوا من عملها و هي خليعة, و سيُسطِر التاريخ حرب هؤلاء الحكام على المساجد و العلماء, و قمعهم في السجون, و لن يتغافل التاريخ عن موالاتهم لأعداء الأمة في كل جانب من جوانب حياتهم.
سيكتب التاريخ عن النعم التي امتلكها المسلمون, و عن كيف كان المسلمون أغنى الناس بالثراوات و الخيرات, و مع ذلك, كانت هذه الخيرات تنهب, و تستعمل في حرب المسلمين و ابادتهم, مع علم المسلمين بذلك, و لكنه الشح و الطمع إذا دخل القلب, هان عند ذلك على المرء أن يبيع دينه و عرضه.
سيكتب التاريخ ... و سيكتب ... و سيكتب حتى يجف مداده, بل سيكتب حتى بالدم, عن حال أمتنا في هذا الزمن.
و عندها, اسأل نفسك, بعد أن تتخيل أنك من قراء هذا التاريخ في المستقبل,
هل كانت الأمة الإسلامية في هذا العصر تستحق النصر و التمكين؟
و بجواب هذا سؤال, ستعرف ما أرمي إليه في هذه المقالة.
و مما لا يُغفل عنه, أنني لم أريد أن أعمم, فأنا أعرف أن الكثير من التجار, و العلماء, و غيرهم ممن ذكرت, على خير كبير, و ثغر عظيم, بل هم على جهد جهيد في محاولة الرقي بالأمة, و لكن التاريخ غالبا لا يذكر هؤلاء, لا سيما إن كتب عن تاريخ المنهزم, فتضيع فيه جهودهم, و لا تُذكر إلا المثالب و العيوب, و حسب هؤلاء الذين عملوا و اجتهدوا أن الله لا يضيع مثقال ذرة, و الجزاء من جنس العمل. و لا أريد كذلك أن أتشائم و أقول هلك الناس, بل كل ما أريد تبينه هو أننا إن أصرينا على هذا الحال, فهذا هو التاريخ الذي سيكتب عنا.
انتظر ...
لا تيأس !!!
فالتاريخ لم يكتب بعد !!!
الفرصة ما زالت راهنة, و زماننا لم ينقضي بعد! فهل نستمر على منوالنا, و نكون من المنافسين على لقب أسوء زمن مر على المسلمين, أم نرتقي و نكافح و نحاول أن نستعيد القليل من ماء الوجه الذي فقدناه.
أما الإسلام, فلن نضره نحن, لأن الله قد تكفل بحفظه, ألم ترى أن الإسلام يعد أسرع دين انتشارا في العالم, على الرغم من حال المسلمين الهزيل؟
و صدق الله تعالى إذ قال: ((هو الذي أرسل رسوله بالهدى و دين الحق ليظهره على الدين كله و لو كره المشركون))
كتبه
حامد بن محمد هرساني
المدينة المنورة
2-6-1428 هـ
17-6-2007 م









من السودان
للك التحية اخى حامد على ماسطرت يداك من حكم اسال الله العلى القدير ان يجعلها فى ميزان حسناتك وان يهدينا واياك السبيل الاقوم.
اخوك محمد.السودان