ما إن يقرأ الإنسان صحفنا و شتى وسائل ثقافتنا حتى يرى بذور هذا التخذيل البائس, و مع الوقت يغسل دماغ القارىء حتى يشعر في قعر الإحباط, الذي لا يرى منه مخرجا أو منفذا, و هذا على كل حال لا يستغرب, لا سيما أننا الآن نعتبر أمة مهزومة و متأخرة, و الأمة المهزومة دائما ما تشعر بالإحباط, و لكن لا بد أن يعلم الناس أن هناك من يعملون جاهدين على النهوض و السمو بأمتنا, حجبهم عن الأنظار الكثير من العوامل, و منها هذا العامل, و هو سيطرة عصابة التخذيل و التثبيط على الكثير من وسائل ثقافقتنا.
و قرآننا المقدس يؤكد على معنى في غاية الأهمية, و هو أن المتخاذل, و المتثبط, و المتكاسل يثبطه و يخذله الله, بل إن هذه السمة من سمات المنافقين, فقال الله تعالى:
((لا يستئذنك الذين يؤمنون بالله و اليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم و أنفسهم و الله عليم بالمتقين * إنما يستئذنك الذين لا يؤمنون بالله و اليوم الآخر و ارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون * و لو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة و لكن كره الله انبعاثهم فثبطهم و قيل اقعدوا مع القاعدين* لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا و لأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة و فيكم سماعون لهم و الله عليهم بالظالمين)) (سورة التوبة آية 44-47)
انظر يا أيها القارىء الكريم كيف أن الله ثبط هؤلاء المنافقين عن الخروج و الجهاد بعد أن كرهوا هم ذلك, و كذلك أثبت في الآية الكريمة أنه لو خرج المنافقون لما نفعوا المسلمين بشيء, بل لأتوا بالمفاسد, و من أعظمها التخذيل و التثبيط, و هكذا كان يفعل المنافقون فعلا في زمن النبي صلى الله عليه و سلم في الغزوات و الجهاد, بل في شتى ميادين الحياة, و هاهم يعودون اليوم في أشكال و أقوال مختلفة, أعني المخذلين, كلها ترمي في النهاية إلى تثبيط الأمة و حبسها عن نهوضها.
لا شك أنه لكل عمل يعمل في الحياة نوعا من المخاطرة, و السلبيات, تتفاوت من عمل لآخر, و ليس المقصود عند العمل أن يعمل الإنسان عملا خاليا من السلبيات أو لا يعمل البتة, و إلا لما عمل أحد, و التجار يقولون أن الربح الأكثر مبني على المخاطرة الأكبر, فلذلك لو دقق الإنسان في كل عمل أو فكرة لوجد لها سلبيات, لكن الناجح و الموفق هو من يعمل العمل الذي تقل سلبياته و تكثر مصالحه و منافعه, و الناس بعد ذلك ثلاثة أصناف, إما يؤوس مخذل يبحث عن السلبيات, و لو بتكلف, حتى يقع عليها, و يشجب العمل كامله, و هذا الصنف كالذباب, لا يقع إلا على القاذورات و القمامة, و لا يعرف غيرها, أما الصنف الثاني فهم الذين يمجدون كل عمل, و لا يرون إلا محاسنه, متغافلين أو جاهلين بمفاسده و عيوبه, و هذا أيضا مخطىء بلا شك. أما الصنف الثالث و هو الصواب بإذن الله, و هم الذين يوازنون بين المصالح و المفاسد, و يغلبون الأرجح, و على ذلك الأساس يحكمون على عمل ما, فالفقيه و الفطن من علم خير الخيرين, و شر الشرين.
و بناء على ذلك, لا يعني هذا أن نترك الانتقاد البناء الهادف غير الجارح, الذي يمكن على إثره تحسين الفكرة أو العمل المطروح, أو نصيحة صاحبها إن كان مجانبا للصواب بالكلية بطريقة تكفل للناصح سماع و استجابة من ينصحه, بعد توفيق الله, فالنقد البناء أيضا مهم, و هو النقد الذي يبني و يصلح, لا يفسد و يهدم, أما من يجلس على أريكته و يتهم فلان و علان, و يخذل الناس, و هو في بيته, فهذا لم يأتِ بجديد, بل أتى بفعل كلنا نستطيعه, بل و ببراعة أيضا, فيقول المخذلون و هي عبارتهم المشهورة لكل ما يريدن التخذيل عنه: أنتم ما زلتم تفكرون في هذه الأمور, و الناس وصلوا القمر !!
و نقول لهم نحن: أنتم لم تصلوا القمر, و لم تأتوا بجديد أيضا, فإن غاظكم عدم وصولنا للقمر, فماذا تنتظرون ؟؟ لتذهبوا إلى القمر, و بذلك نكون قد ارتحنا منكم, و ارتحتم منا !!!
كتبه
حامد بن محمد هرساني
6-5-1428 هـ
23-5-2007 م








