بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حمدا يليق بجلالته و عظمته, و الصلاة و السلام على من أضاءت المدينة في يوم هجرته, و أظلمت يوم أن وُضِع في حفرته,
أما بعد,
ليست العبرة في معرفة الحلال من الحرام, و ليس من علم هذا يُعدُ فقيها, إنما الفقيه حقيقة هو من عمل بمقتضى ما عَلِم من حلال و حرام, و إن أراد المرء أن يتدبر هذا المعنى فليقرأ قوله تعالى:
((أمن هو قانت آناء الليل ساجدا و قائما يحذر الآخرة و يرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون و الذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب))
فالله سبحانه و تعالى ذكر أوصافا عملية مترتبة على العلم في أول الآية, ثم بعد ذلك فرق بين العالم و الذي لا يعلم على وفقها, أي: بالعمل, فكما قيل: أصل العلم خشية الله. و مما يروى في ذلك عن السلف أن أم سفيان الثوري رحمه الله قالت له في صباه و في بداية طلبه للعلم: ((يا بني اذهب فاطلب العلم, فإن لم يزدك خشية فلا حاجة لك به)), فما هي الفائدة من علم لا عمل يترتب عليه؟ و ليت الأمر فقط يتوقف على هذا, بل إن العلم الذي لا يعمل صاحبه بمقتضاه يكون حجة عليه في الدنيا عند العقلاء, و في الآخرة عند أعظم فصل للقضاء, و هذا هو العلم الذي لا ينفع الذي استعاذ منه نبينا محمد صلى الله عليه و سلم.
و من هنا فشى في مجتمعنا مرض مستطير, و نفث خَبَثَه بين أفراد المجتمع و لا سيما بين التجار الذين هم بغنى عنه, و سقط كثير ممن سقط بسببه و العياذ بالله, حتى عمت القلوب و البصائر, و قل المعين و الناصر.
الربا ( و ليس الفوائد) رزية عظمى دخلت على بلادنا الإسلامية, و انتشرت انتشار النار في الهشيم, و تجد الكثير من الناس يتعاطون هذا الربا بكل برود, بل إنني في جلسة في مكة المكرمة حرسها الله, كنت أجالس بعض رجال مكة, فتحدث أحدهم عن نسبة الفوائد في تلك الفترة, فاغتظت في نفسي و أخبرته بكل أدب و توقير بأن هذه الفوائد محرمة, و هي عين الربا, فقال لي بكل غضب: لا تقحم الدين في كل شيء.
فقلت في نفسي: عجبا لأقوام جعلوا الدين ثوبا مفصلا على قدر دنياهم, و لم يجعلوا الدنيا ثوبا مفصلا على قدر دينهم.
أما عن فعلي في هذه المقالة, فأود أن أتطرق إلى أربعة نقاط مهمة, الأولى هي أدلة تحريم الربا, و الثانية هي موجز لأحكام الربا الفقهية, و الثالثة هي الحديث عن بعض الحلول, و الرابعة هي همسة في أذن المرابي.
أدلة تحريم الربا:
أما عن أدلة تحريم الربا فهي كثيرة معلومة, و منها ما يلي:
1) قول الله تعالى: ((و أحل الله البيع و حرم الربا))
2) قول الله تعالى: ((يمحق الله الربا و يربي الصدقات))
3) قول الله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و ذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله و رسوله و إن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلِمون و لا تُظلمون))
4) قول الله تعالى: ((الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس))
5) ما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((اجتنبوا السبع الموبقات قالوا: يا رسول الله وما هن ؟ قال: الشرك بالله, والسحر, وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق, وأكل الربا, وأكل مال اليتيم, والتولي يوم الزحف, وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)) {رواه البخاري رقم 2615, و مسلم رقم 89}
6) ما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: ((لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه)) و قال: هم سواء. {رقم 2995}.
7) و كذلك أجمعت الأمة على تحريم الربا, قال النووي رحمه الله: ((أجمع المسلمون على تحريم الربا في الجملة)) {شرح النووي على مسلم 11/9}.
و الأدلة غير هذه كثيرة جدا, و تحريم الربا معلوم من الدين بالضرورة, و لا يشك مسلم في تحريمه أصلا, و لكن ذكر الدليل يؤدي غرض الإبحار في إقامة الحجة, لأن الحجة لا تقوم بأقوال الرجال مهما كانت فصيحة و مهما كان لدى هؤلاء الرجال من العلم, إنما تقوم الحجة بالكتاب و السنة, فمن عمل بهما و بما دلا عليه من الحجة فقد عُصِم, و من نبذهما وراء ظهره فلن تجد له وليا مرشدا.
موجز أحكام الربا:
الربا يقع في شيئين, في العقود و في القروض, و لكل منهما باب مستقل من أبواب الفقه, سأرفق أهم أحكام هذين البابين حتى يكون المسلم على بصيرة في أحكام الربا في الشريعة الإسلامية, و قد قمت بتلخيص جُل هذا الكلام من كتاب مذكرة الفقه للشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله, لسهولة عبارته, و لعدم تبحره في المسائل, مع توضيحي لبعض المسائل التي تحتاج إلى توضيح, حتى يناسب الجميع, فإليكم هذه الأحكام:
ربا العقود
الربا لغة: الزيادة
الربا شرعا: زيادة في أشياء معينة و نسأ في أشياء معينة.
محله: يقع في الأصناف الستة بالإتفاق. (و هي: الذهب, الفضة, البر, التمر, الشعير, الملح)
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الذهب بالذهب و الفضة بالفضة و البر بالبر و التمر بالتمر و الشعير بالشعير و الملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد, فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد)) رواه مسلم.
كيفية وقوع الربا في الأصناف الستة: يقع في الأصناف الستة في حالتين:
الحالة الأولى: أن يكون كلا من الثمن و المثمن من صنف واحد, كأن تبيع الذهب بالذهب, ففي هذه الحالة يُمنع التفاضل (فلا يجوز أن تبيع دينار من الذهب بدينارين), و يجب التقابض (فلا يجوز بيع الأجل, أي: لا بد من قبض الثمن و المثمن في مجلس العقد), فإن كان في العقد تفاضل, أو تأجيل, أو كلاهما صار العقد ربوي.
الحالة الثانية: أن يكون الثمن من جنس صنف ربوي, و المثمن من صنف آخر, كبيع البر بالتمر, ففي هذه الحالة يشترط التقابض و لا يشترط التماثل.
و من هذا, قسم العلماء ربا العقود إلى قسمين:
1) ربا الفضل: هو أن يبيع جنسا ربويا مع جنسه بزيادة.
2) ربا النسيئة: هو أن يبيع جنسا ربويا مع جنسه بتأخير.
أما إذا كانت الأصناف المتبايع بها ليست ربوية فلا يشترط التقابض و لا التماثل.
الدليل: أمر النبي صلى الله عليه و سلم أن يبعث سرية فكان يأخذ على إبل الصدقة البعير بالبعيرين و البعيرين بالثلاثة. {رواه أبو داود و ضعفه الألباني في المشكاة و لكنه قد صح من فعل و قول بعض الصحابة.}
هل ربا العقود محصور في هذه الأصناف الستة؟
هذه مسألة خلافية, ترجع في أصلها إلى قولين:
القول الأول: ربا العقود محصور في الأصناف الستة, و هو قول الظاهرية جريانا على أصلهم في منع القياس.
القول الثاني: ربا العقود ليس محصورا في هذه الأصناف الستة, و يقاس عليها غيرها, و هو قول جمهور فقهاء المسلمين.
ثم إن أصحاب الرأي الثاني اختلفوا في تفاصيل علة الأصناف الستة التي يقاس عليها غيرها, و هذا الاختلاف مفصل في كتب الفقه لمن أراد الاستزادة.
خلاصة الصرف في الفقه الإسلامي:
تعريف الصرف شرعا: هو بيع نقد بنقد.
الخلاصة: أن النقد بالنقد إذا كان جنسا واحدا اشترط فيه التقابض و التماثل, و إذا كان الجنس مختلفا اشترط فيه التقابض دون التماثل.
ربا القروض
القرض لغة: القطع.
القرض شرعا: بذل مال لمن يملكه و يرد بدله على وجه الإرفاق لا على وجه المعاوضة.
و ربا القرض: هو أن يشترط المُقرض على المقترض النفع, سواء كان النفع بزيادة في المبلغ عند السداد أو بغيره, و هو محرم, لأن عقد القرض عقد إرفاق و إحسان و إذا شرط المُقرض معاوضة حوله إلى عقد معاوضة و استغلال, و بهذا يخرج عن موضوعه و يصير مثل الربا تماما, و لهذا جاء في الحديث الضعيث (و لكن معناه صحيح) : ((كل قرض جر منفعة فهو ربا)).
و على هذا فهذا الشرط يكون باطلا, أي: شرط النفع.
و قد روي في ذلك قصة عن أبي حنيفة رحمه الله, و هي أنه أقرض أحد الناس مالا, ثم عند حلول أجل السداد ذهب إلى بيت المقترض لاسترداد ماله, و كان ذهابه في وقت الظهيرة عند شدة الشمس, و كان للبيت ظل, فأبى أبو حنيفة رحمه الله أن يستظل تحت هذا الظل خشية أن يكون قد انتفع من المقترض بشيء بسبب القرض, و هذا كان من ورعه رحمه الله.
فماذا يفعل من انتفع بالألوف و الملايين, و الله المستعان.
هذه خلاصة بسيطة عن أحكام الربا بقسميه, لم أستوعب فيها الأحكام بلا شك, و لكن هذه الخلاصة مدخل مهم و مبسط لمن أراد أن يفهم أحكام الربا في الشريعة الإسلامية بالجملة.
بعض الحلول لمشكلة الربا:
· إقامة منتديات إقتصادية تعالج هذا الموضوع, يتم فيها استقطاب كبار علماء الإقتصاد المسلمين الذين بحثوا هذا الأمر, و درسوا بدائله, و نحن نرى في هذا الزمن الكثير من المنتديات الإقتصادية في بلاد المسلمين, و تعتبر هذه المنتديات عالمية, و لكنها و مع كل أسف لا تتطرق لمصيبة الربا التي عمت بلادنا, بل تحرص كل الحرص على الإتيان بشخصيات غربية, في الغالب يبصروننا في عيوب هي فينا و نعلمها, أو يذكرون أنصاف حلول أو ((مسكنات)) لإقتصاد لم يقم على الأصل الشرعي في منع الربا, أما الحلول المطروحة اليوم في البنوك الإسلامية, فهي و إن كانت خطوة إيجابية تستحق الإشادة, إلا أنها كما قلت ((مُسكِن)) للمشكلة الحقيقية, و ليست حلا لها, و باستقطاب هؤلاء العلماء المسلمين نستطيع معالجة هذه المشكلة شيئا فشيئا, لا سيما إن احتكت العقول النيرة و تعاونت فيما بينها. و لا يقل أحد بأنه لا يوجد علماء إقتصاد مسلمون, بل هم كثر جدا, و هم علماء متميزون, و كثير منهم من مسلمي الغرب, و أنا كلي إيمان بأن هؤلاء العلماء لديهم القدرة لتغيير حالنا بإذن الله, و طرح الحلول المناسبة, و هم على كل حال أعرف بحالنا و ديننا من المتحدثين الذين نستقطبهم في الغالب الآن, و لا يُفهم من هذا الكلام عدم الاكتراث بعلماء غير المسلمين, أنا لا أقصد هذا بتاتا, إنما أقصد أن نركز أكثر على العلماء المسلمين الذين جمعوا بين علوم الدين و الإقتصاد, و مع ذلك يحضر غيرهم, حتى تزيد الفائدة و تعم.
· زيادة فرصة القرض الحسن, و لهذا عدة طرق, و من الطرق التي اقترحها, تأسيس جمعيات أوقاف خيرية تعنى بالقرض الحسن, فنشجع التجار و أرباب الأموال إلى تشييد أوقاف يكون ريعها لإقراض الناس قرضا حسنا, و يكون سداد القرض للجمعية أو لناظر الوقف لكي يعود هذا المال لإقراض غير المقترض الأول, فهذه الطريقة تجعل ريع الوقف دائم الحركة و الفائدة, و تجعل مساعدة المسكين و الفقير فعالة, فبدل من أن ينفق عليه كل سنة مقدار كفايته, نشجع على هذه الأوقاف, فيعطى هذا المحتاج ما يحتاجه لإقامة مشروع معين ليعيش منه, و إن لم يسدد مبلغ القرض لفشل مشروعه مثلا بعد قيام البينة, فيعفى عن هذا المقترض, لأن المشروع من أصله خيري, الجدير بالذكر أن الجمعية أو المؤسسة المعنية بهذا الوقف لا تعطي المقترض إلا بعد دراسة مشروعه و إمكانية سداده كما تفعل البنوك تماما. و لا يخفى على أهل الخير ما في هذه المشاريع من الأجر العظيم, لا سيما إن ساهمت في محاربة الربا.
· و هذه النقطة تنبني على ما قبلها, و هي تسهيل إجرائات المحاكم, فيشتكي كثير من الناس في المملكة و غيرها من بطىء المحاكم, و تأخر استرجاع الحقوق, فالإنسان قد يُقرِض قرضا حسنا و يُشهِد عليه, و لكنه إذا ماطل المقترض ربما دفع أضعاف مبلغ القرض لاسترجاع حقه في المحاكم, إن لم يكن الثمن من ماله, كان من وقته, و هذا يصد الناس عن إقراض بعضهم البعض قرضا حسنا خشية أن تضيع حقوقهم, مما أدى إلى أن يذهب المقترض إلى المؤسسات الربوية لكي يقترض قرضا ربويا.
· إقامة حملات وطنية لمكافحة الربا, و إقامة ندوات توعوية ضد الربا, و بكل بساطة: إقامة حملة ثقافية ضد الربا, مع التعاون مع علماء الإقتصاد, بالتدريج طبعا, و مع وضع سنة نحدد أنها تكون السنة التي سيتم فيها القضاء على الربا بإذن الله, فبهذا تتحرك الشعوب الإسلامية تحركا واسعا و شاملا ضد الربا, و هذا يؤدي إلى استجابة الحكومات و إيجاد البدائل, و لو طال الزمن.
همسة في أذن المرابي:
يا أيها المرابي,
أما آن لك أن تتوب ؟؟!!
ألا يكفي ما أكلت من الربا طول حياتك ؟؟!!
أتقوى على محاربة الله و رسوله ؟؟!!
أتقوى على القيام يوم القيامة كالذي يتخبطه الشيطان من المس؟؟!!
و لماذا ؟؟!!
ألأجل نسبة ثلاثة أو حتى عشرة في المائة من الفوائد (و هي المصائب) ؟؟!!
تب يا أخي, فإنك بتعاملك بالربا تساهم في فشوه و بقائه في مجتمعاتنا الإسلامية !!!
تب يا أخي, و لا تطعم أبنائك من حرام, فكل لحم نبت من سُحت فالنار أولى به.
و لا تنتظر لحظة الندم, يوم أن يأتي ملك الموت, و لات حين مناص, و لا مهرب, و لذلك قال الله تعالى في آخر آيات الربا في سورة البقرة:
((و اتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت و هم لا يظلمون))
عندها, ستتمنى التوبة بكل أموالك, إن لم تتب من دراهم معدودة من الربا الآن.
فالله الله في التوبة إلى الله, و الله الله في ترك الربا خوفا من الله, فمن ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه.
و تذكر قول الشاعر:
قبورنا تُبنى و نحن ما تبنا يا ليتنا تُبنا قبل ما تُبنى
كتبه
حامد بن محمد هرساني
22-4-1428 هـ
9-5-2007 م








