بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله, و الصلاة و السلام على رسول الله, و على آله و صحبه و من والاه,
و بعد,
إن من الأدوء الفتاكة التي تنبث في مجتمعاتنا, داء التناقض و المعايير المزدوجة. فترى فلانا يطلب من ابنه شيئا و يخالفه, أو آخر يعامل موظفا بمعيار يخالف المعايير التي يعامل بها نفسه, فضلا عن الآخرين, و أشد من ذلك, تناقض الكثير من أفراد المجتمع في أمور دينهم, فترى رجلا ملتزما بأداب الدين ما دام في بلاده, فاجرا مارقا و كأنه فلت من الجلاد إذا خرج من بلاده, و إمرأة محتشمة محتجبة تبدو صالحة في بلادها, و ما تفتؤ أن تسافر حتى ترمي بالحشمة و الحجاب و الحياء و الأخلاق.
نرى هذه المظاهر من لحظة صعودنا للطائرات التي تغادر من بلادنا إلى الخارج, و كأن هؤلاء قد فلتوا من قبضة الأسد, و استعدوا لمعركة التناقض و كشف حقيقة الذات بالمال و العتد. فتبدو للصادق البريء البلية الصخيبة, و الرزايا العجيبة. و حل المشكلة كلها يكمن في سؤال واحد:
تخشون من؟؟
لماذا تبادرون بالانقلاب العجيب لحظة السفر, لدرجة أن بعض الناس لا ينتظر حتى إقلاع الطائرة من هذه البلاد (أعني المملكة العربية السعودية).
لماذا تتحجبين يا أختي؟ و لماذا تظهر صلاحا فارغا يا أخي؟ لمصلحة من فعلتم هذا؟ لإرضاء من؟ و تخافون من من؟
أتدرون ما مثلكم؟ مثلكم مثل الطفل الذي نهاه أبوه عن اللعب بأثاث البيت, فما لبث الطفل إلى أن غادر أبوه من البيت حتى عاود لعبه بالأثاث, لأنه لا يعلم لماذا نهي.
أهكذا أصبحنا نحن؟
يزيد بروز هذه المشكلة و الحاجة للتعامل معها, حين تكتشف أن كثيرا من الأعمال التعبدية أصبحت يقصد بها غير وجه الله فيما يبدو, و إلا فلماذا تلبس بعض الفتيات حجابها في الداخل و تخلعه في الخارج؟ و لماذا يمتنع بعض الشباب عن الأخلاق و الأفعال الرديئة في الداخل و يسارع و يبادر إليها في الخارج؟ الجواب: لأن أصل الفعل أو الامتناع كان لغير الله, مما يورث التناقض المذموم.
هذه نتيجة تربية الناس على أن الدين عادات و تقاليد, و إن كانت هذه التربية من حيث لا نشعر و لا نقصد. من الأخطاء في مجتمعنا أن البعض اهتموا بإظهار الدين و شعائره عموما (وهذا حسن و مهم جدا لأسباب كثيرة), و لكنه كان على حساب التنمية الإيمانية الفردية. فمثلا يُجبر أصحاب الأسواق على إغلاق الأسواق بالغلبة و القوة حتى تبدو مدننا خاشعة خافتة في أوقات الصلاة, و هذا ممتاز, و لكنه في نفس الوقت تجد كثيرا من البائعين يختبئون مع بعضهم البعض ليدردشو و يمنتعوا عن الصلاة. فالمجتمع ظاهرا و باعتبار عمومه يبدو صالحا و مصليا و محترما و معظما لشعيرة الصلاة, و في نفس الوقت تكون الأحاد و الأفراد مريضة مسرطنة, تخفي داء عضال و مزمن, و النتيجة التناقض. فلذلك لا بد من التربية الذاتية, و إنشاء الرقابة الذاتية على الأفراد, و أعني بذلك رقابتهم على أنفسهم و وازعهم الديني, فلا يكفي فقط إضفاء صورة عامة للصلاح على حساب إغفال الاهتمام بآحاد الناس. و يجب أن يكون ذلك كله بالرفق, لأن الرفق ما خالط شيئا إلا زانه و أتمه.
وقفة أخيرة ...
فلنكن صرحاء مع أنفسنا أيما صراحة ...
نعم, الصراحة قد تكون قاسية, و لكن هكذا حال الدواء ... مُرٌ و لكنه شافي بإذن الله ...
يا من غير و بدل أثناء السفر, و التزم و تقيد حال الحضر ...
تخاف من من؟
من تخشى؟
كن صريحا مع نفسك يا أخي, و أنتِ كذلك يا أختي ...
يا من نبذت الحجاب وراء ظهرها عند السفر, و من أول ما تصعد الطائرة .. أهذه الصورة التي تودين إظهار الإسلام بها ؟
و هاكم السؤال الصريح, و الذي يقع على المقتل الحقيقي: أليس الله يرانا في كل مكان؟
و أنا سأقولها و بصراحة, من عمل عملا تعبديا و دينيا حال الحضر خشية الناس, و تركه حال السفر لأمنه من الناس وقع في الشرك الصراح, لأن هذا العمل عبادة, و العبادة لا تصرف إلا لله, و دليل عدم صرف هذه العبادة لله, أن فاعلها فعلها خشية الناس و تركها عند الأمن من الناس, فهذه مصيبة كبيرة ..
يا أخي الكريم, و يا أختي الكريمة,
إن لم تكن خشيتك لله و طمعك في رضاه و محبتك له تبعثك على فعل أوامره و اجتناب نواهيه, و هو الذي بيده مقاليد السموات و الأرض, فلماذا تخشى من هو دونه؟
ألا يكفي أن تترك أوامره و تفعل مناهيه, حتى تزيد و تصرف هذه العبادات لغيره.
أيها الأكارم,
أعلم أنني قسوت في هذا الأسبوع, و زادت صراحتي, و لكن آن الأوان لأن نحاسب أنفسنا قبل أن نحاسب, فنحن في دار الفسحة و الفرصة ما دمنا أحياء, فلا ينبغي أن يقبل أحدنا أبدا أن يفعل عبادة محضة خشية الناس و كلامهم, مما يحول هذه العبادات إلى عادات لا قيمة لها, و صرف حق الله لغيره من أظلم الظلم, بل هو أشده على الإطلاق.
قال تعالى: ((إن الشرك لظلم عظيم))
و أنا لا أبرىء نفسي أبدا, إن النفس لأمارة بالسوء.
و مع ذلك أنصح نفسي و من بلغه كلامي أن يتقي الله في نفسه, و أن يعد ليوم يجعل الولدان شيبا, فلا تنتظر حتى يأتي يوم القيامة و يسألك الله عن شركك له في الطاعة و الخوف, و لئن تقابل الله بالذنوب جميعها أهون عليك من أن تقابله بشرك.
قال تعالى: ((إن الله لا يغفر أن يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء)).
و الشرك في الأمة أخف من دبيب النمل, و لذلك روي عن الصديق رضي الله عنه أنه كان دائما يدعو و يقول: ((اللهم إني أعوذ بك أن أشرك و أنا أعلم, و استغفرك لما لا أعلم)).
فلنبدأ التصحيح من اليوم, و لا نؤخر ذلك لغد, لعل غدا يأتي عليك و أنت فقيد.
و الله من وراء القصد.
كتبه
حامد بن محمد هرساني
المدينة المنورة
1-4-1428 هـ
18-4-2007 م








