بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي بين الحلال أوضح البيان, و حرم الحرام بأفصح البلاغة و التبيان, و الصلاة و السلام على خير من بُعِث للثقلان, و على آله و صحابته و من تبعهم بإحسان, و عنا معهم بفضلك و كرمك يا كريم يا منان.
أما بعد,
فإن من المشاكل التي بلينا بها في هذا العصر, منع بعض العلماء بعض المباحات بحجة سد الذرائع, و إن كان سد الذرائع مبدأ أصيل في الشريعة الإسلامية, إلا أن تطبيقه الخاطىء يحجر على المسلمين واسعا, و يضيق الأفاق إلى أن يؤدي في بعض الأوقات إلى الاختناق, و كما قال الإمام سفيان الثوري رحمه الله و رضي عنه: ((الفقه رخصة من ثقة, فأما التشديد فيحسنه كل أحد)).
و من هذا المنطلق و المبدأ, أحببت أن أتكلم عن مسألة الرياضة في مدارس البنات, ما هي سد الذريعة أصلا؟ هل منع الرياضة في مدارس البنات يعتبر من سد الذريعة؟ ما هي الفوائد المرجوة من ممارسة البنات للرياضة في المدارس؟ و ما هي الضوابط لذلك؟
الذرائع جمع ذريعة, و هي في إصطلاح الفقهاء: ((كل أمر مباح يفضي إلى الشيء الممنوع المشتمل على مفسدة))[1], و لا يكون هذا فقط في منع المباح, بل قد يكون أيضا في إبقاء المنكر, و عدم إنكاره إذا تيقن أن إنكار هذا المنكر يفضي إلى منكر أكبر منه, قال ابن القيم رحمه الله: ((و سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه يقول: مررت أنا و بعض أصحابي في زمن التتار بقوم يشربون الخمر, فأنكر عليهم من كان معي, فأنكرت عليه, و قلت له: إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله و عن الصلاة, و هؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس و سبي الذرية, و أخذ الأموال, فَدَعْهُم))[2].
و لسد الذرائع أقسام و تقسيمات مختلفة و متشعبة, و هي في الجملة قسمان تندرج تحتها أقسام و تفريعات.
أولا: الذريعة المحرمة لذاتها, فهذه لا خلاف في تحريمها, كشرب الخمر وسيلة و ذريعة للإسكار.[3]
ثانيا: الذريعة المباحة في أصلها.
و في هذا القسم تقسيمات كثيرة و معقدة, و لعل أيسر التقسيمات مما أطلعت عليه هي ما ذكرها الدكتور عبد الرحيم يعقوب في كتابه تيسير الوصول[4]:
القسم الأول: ما يفضي إلى المفسدة قطعا أو غالبا, فهذا النوع معتبر إجماعا, كحفر بئر خلف باب الدار في طريق مظلم, و كسب آلهة المشركين, كما قال تعالى:
((و لا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم))[5]
و هذا النوع معتبر بالإجماع.
القسم الثاني: ما يفضي إلى المفسدة نادرة, كزراعة العنب خشية اتخاذها خمرا, و هذا النوع قد أجمعت الأمة على عدم منعه.
القسم الثالث: ما كان مترددا بين أن يكون ذريعة إلى المفسدة, و بين أن لا يكون, كإبطال البيع الذي يتخذ وسيلة للربا, و إن كان مأذونا به في الأصل.
هذا القسم اختلف فيه العلماء على قولين:
القول الأول: اعتبار سد الذريعة في هذا القسم, و هو قول مالك و أحمد.
و دليلهم: أن العبرة و الأصل في تصرفات المكلفين, مقاصدها و غايتها, و مآلتها.
القول الثاني: عدم اعتبار هذا النوع من الذريعة, و هو قول أبو حنيفة و الشافعي.
و دليلهم: أن الأصل في الأشياء الإباحة, و لا ينتقل عن هذه الإباحة إلا بدليل راجح.
و الجمع بين القولين أن نقول بأن هذا يرجع إلى نية الإنسان نفسه, فإن قصد به حراما صار الفعل حراما, أما إن لم يقصد بذلك أن بتوصل إلى محرم فلا يمنع من فعله من باب سد الذريعة.
و يقول الدكتور عبد الرحيم يعقوب في آخر بحثه في هذا الباب: ((الأخذ بالذريعة لا ينبغي المبالغة و الإغراق فيه, لأن ذلك قد يؤدي إلى تعطيل كثير من مصالح الناس)).[6]
و مع ذلك, فلا شك باعتبار قاعدة سد الذرائع و العمل بها, و قد ذكر الإمام ابن القيم تسعا و تسعين دليلا على اعتبار هذه القاعدة في كتابه إعلام الموقعين[7], و لكن الإشكال ليس في حجية قاعدة سد الذرائع, و إنما الإشكال في تطبيق هذه القاعدة الذي أدى بدوره إلى التضييق و الحرج على كثير من المسلمين.
و الآن بعد أن تم تأصيل هذه المسألة تأصيلا شرعيا واضحا, ننتقل إلى تطبيقها في مسألة الرياضة في مدارس البنات, بعد أن أقول بأنه يوجد في المملكة العربية السعودية من يمنع الفتيات من ممارسة الرياضة في المدارس, و على هذا الرأي بني منع الرياضة في مدارس البنات الحكومية. و سأحاول في هذه المقالة نقض رأيهم و دليلهم بكل احترام و توقير.
الرياضة ليست محرمة في ذاتها, و الأصل في الأشياء الإباحة, و في هذا يقول الناظم[8]:
و الأصل في الأشيا الإباحة إلا إن دل للحصر دليل قبلا
و الأصل أن الإباحة تكون للجنسين, الذكور و الإناث, ما لم يدل الدليل على خلاف ذلك, و من أراد أن يمنع و ينقل عن هذا الأصل و هو إباحة الرياضة للنساء كما هي مباحة للرجال, فعليه أن يأتي بالدليل على ذلك, و مع ذلك سأتنزل و أدلل من السنة النبوية على إباحة الرياضة للنساء:
عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرجت مع النبي صلى الله عليه و سلم في بعض أسفاره و أنا جارية لم أحمل اللحم, و لم أبْدُن. فقال للناس: ((تَقَدموا)) فتقدموا, ثم قال لي: ((تعالي حتى أسابقكِ)) فسابقته فسبقتُه, فسكت عني, حتى إذا حملت اللحم و بَدِنْت و نسيت, خرجت معه في بعض أسفاره فقال للناس: ((تقدموا)) فتقدموا, ثم قال لي: ((تعالي حتى أسابقكِ)) فسابقته فسبقني, فضحك و هو يقول: ((هذه بتلك))[9].
فهذا الدليل ليس نصا صريحا على جواز الرياضة للنساء فحسب, بل هو يدل أيضا على أن النبي صلى الله عليه و سلم شجع عائشة رضي الله عنه على المسابقة, و أحب ذلك.
فإذن لا تندرج الرياضة النسائية تحت الذرائع المحرمة لذاتها.
و كذلك هي لا تفضي إلى مفسدة قطعية, و إلا لما سابق النبي صلى الله عليه و سلم عائشة.
و هي غير مترددة بين المصالح و المفاسد, لأن جانب مصالحها يغلب و بقوة على جانب مفاسدها, لا سيما عند تحديد الضوابط الشرعية اللازمة. و لا أنكر بأنه قد تكون في الرياضة في مدارس البنات مفاسد, و لكنها تندحر أغلبها عند وضع الضوابط الشرعية الصحيحة.
و الأصح أن تلحق الرياضة في مدارس البنات, مع مراعاة الضوابط الشرعية, بالذرائع التي قد تؤدي إلى مفسدة نادرة, كأي شيء آخر في الحياة, و النادر لا حكم له, و هذه الذريعة لا تسد بالإجماع. ثم ما هو هذا الشيء المخوف الذي تسد الذرائع من أجله, و ما ذنب بنات المدارس البريئات حتى نقحمهم في نظرية مؤامرة تقول بأنه إن فتح باب الرياضة للبنات في المدارس, ستطالب النساء بأشياء أكثر. أقول: إن كان الإنسان مبصرا, لرأى أن هناك من نساء المجتمع الليبراليات من يطلب أكثر من ذلك بكثير, سواء سُمح للفتيات أن يمارسوا الرياضة في المدارس أو لا, ثم إن كانت هذه الحقوق التي تطالب بها بعض النساء شرعية, مكفولة لهن شرعا فما هو الضير من إعطائها لهن, أما إن كانت تخالف الشريعة فلا و ألف لا !!! و لو كان كل شيء يمنع لاحتمال بسيط أنه يفضي إلى مفسدة, لمنع كل شيء, و لم يبق لنا حتى الماء الذي نشربه, و الله المستعان.
الفوائد المرجوة من الرياضة في مدارس البنات:
أولا: لا يختلف اثنان في فائدة الرياضة جسديا في تنشيط الدورة الدموية, و محاربة السمنة, و تنشيط العقل, و المحافظة على الرشاقة. و في زمن قلت فيه المهام المنزلية التي تقوم بها الفتيات, أصبحت الحركة عند الفتيات و النساء عموما أقل مما كانت عليه سابقا, فتحتاج المرأة أو الفتاة إلى أن تمارس الرياضة المباشرة حتى تحافظ على صحتها و رشاقتها, و الفتيات إن لم يُعَودوا على هذا من الصغر, فسيكون ذلك صعبا عليهم في الكبر, لأن أغلب القيم و العادات الحسنة تكتسب في الصغر, و المثل المعروف: من شب على شيء شاب عليه.
ثانيا: الرياضة تعلم الفتاة روح الجماعة, لا سيما في الرياضات الجماعية, و هذه الروح الجماعية من أهم المكتسبات التي ترمي مدارس الغرب إلى إكسابها لطلابها, لأن الحياة تحتاج إلى هذه الروح الجماعية, في العمل, و في البيت, و في كل مكان.
ثالثا: الرياضة من مدارس الحياة, و هي تعلم الفتاة بأن هناك فوز و هزيمة, و الأيام دول, فالفتاة تتعلم كيف تتلقى الخسارة, و كيف تقبلها بكل روح رياضية, و تتعلم بأن الخسارة ليست آخر المطاف, بل سيأتي بوم آخر ستفوز هي فيه, و ستتعلم بأن لا تحسد أخواتها و زميلاتها إن تفوقن عليها, و لا سيما إذا كانت الموجهة الرياضية إمرأة حكيمة تستطيع أن تنمي هذه الروح لدى الطالبات.
رابعا: الرياضة تقتل الروتين و الرتابة و ثقل الحصص الدراسية, فالحصص تكون ثقيلة على النفس دائما, و من طرق تخفيف وطئة هذا الثقل, أن تكون هناك حصصا رياضية تتخلل هذه الحصص الدراسية البحتة, مما يؤدي بدوره إلى تحسن استيعاب المادة لدى الطالبات.
خامسا: الرياضة وسيلة إلى غرس القيم الحسنة في الطالبات, فبوجود موجهة أو مربية حكيمة و ذكية, تستطيع عن طريق الرياضة أن تربي الفتيات على القيم المحمودة, لأنه دائما ما يلاحظ أن أكثر المؤثرين في الطلاب هم مدرسو التربية البدنية, لأن التربية البدنية ليست مادة أكاديمية رسمية, فيؤدي ذلك إلى إزالة كثير من الحواجز التي قد تكون موجودة بين الطالبات و المدرسات في الحصص التقليدية.
هذه بعض أهم الفوائد المرجوة من الرياضة للبنات, و إلا فالفوائد أكثر بكثير, و لكن لا داعي لذكرها الآن لاتضاح الصورة.
أما عن الضوابط للرياضة في مدارس البنات, فهي ما يلي:
1) أن تكون بعيدة عن أنظار الرجال و مخالطتهم.
2) أن يكون اللبس الرياضي للفتيات لبسا محتشما, أي: لا يكون قصير و لا ضيقا ... إلخ.
3) أن لا تكون الرياضات الممارسة من الرياضات الرجالية البحتة التي فيها تشبه بالرجال من ناحية, و قد تعرض الفتيات للآذى الجسدي من ناحية أخرى.
4) أن لا يخالط هذه الرياضة محرم, كموسيقى, أو كشف عورات, أو تشاحن بين الفتيات.
5) أن لا تؤدي الرياضة إلى فوات واجب كالصلاة, أو مصلحة أهم كالتقدم المعرفي.
و هذه, كذلك أبرز الضوابط المهمة, التي قد يضاف إليها غيرها مع التدقيق, و لكنها كتبت على عجالة.
و في الختام, يجب على كل مسلم أن يُحكِم عقله, و أن لا يأجره لأحد, و أن يجعل النصوص الشرعية و الوحي الرباني هو الحاكم على العقل, و لا شك بأن الإنسان يستعين على ذلك بأقوال العلماء الربانيين, و لكن مع ذلك, فعليه أن لا يأخذ أقوال أي عالم كقول مُسَّلَم, لأن العصمة لم تكن لغير النبي صلى الله عليه و سلم. فالعلماء أو القائلون بمنع الرياضة في مدارس البنات علماء أجلاء فضلاء محترمون و موقرون, و لا يجوز لأحد أن ينتقصهم, بل هم مجتهدون في ذلك, لهم أجر الإجتهاد, و قد يكونوا قد أصابوا, و لكني أرى أنهم لم يوفقوا للصواب.
و التحريم أمر لا يتساهل فيه, كما يقول بعض أهل العلم: ((تحريم ما أحل الله, كتحليل ما حرم الله)), فالتحريم شأنه عظيم, و لا يقال به إلا عند وضوح الدليل المانع من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس أو غيرها مما يُعتبر في ثبوت الأحكام, و مما لا بد أن يتنبه إليه بعض الناس, أنه يجب علينا أن نوسع على فتياتنا و شبابنا في حدود ما أحل الله, و أن لا نضيق و نحرج عليهم, و إن كان الأمر محرما, فلا بد أن نبحث عن البديل و بسرعة, حتى لا يشعر شبابنا و فتياتنا بالمشقة و الضيق, و لم يحرم الله سبحانه و تعالى شيئا إلا و أوجد له بديلا, مما وسع على هذه الأمة و وضع عنها الأصار و الأغلال, قال ابن القيم رحمه الله:
((قالوا: و لا بد للنفس من طرب و اشتياق إلى الغناء, فَعُوِّضت عن طرب الغناء بطرب القرآن, كما عُوِّضت عن كل محرم و مكروه بما هو خير لها منه)).[10]
فيا علماء الإسلام, و يا دعاة الملة, استوعبوا شباب الأمة و فتياتها حتى لا ينفروا من الدين و تعاليمه, و حتى لا ينتقلوا إلى الأفكار الهابطة, و يتبعوا المفكرين المفسدين الذي لا يألون جهدا في استقطاب الشباب و الفتيات إلى طريقتهم التي لن تحسن من حال الأمة دينيا, أو سياسيا, أو إقتصاديا.
و اللهَ أسأل أن يجعل ما قلت في مرضاته, و أن يلهمني الصواب.
و الخطأ وارد من كل بشر, و هذا جهد مقل, أرجو أن ينفع الله به المسلمين.
كتبه
حامد بن محمد هرساني
23-2-1428 هـ
11-4-2007 م
[1]تيسير الوصول إلى علم الأصول للدكتور عبد الرحيم يعقوب (ص 221).
[2]إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم رحمه الله (3/798) ط1: مطابع الفاروق الحديثة, القاهرة, مصر.
[3]نفس المصدر (3/103) ط: دار الحديث, القاهرة, ت: عصام الدين الصبابطي.
[4] ص (222-223) بتصرف.
[5]سورة الأنعام (آية 108).
[6]تيسير الوصول (ص 224).
[7] (3/104-119)
[8]الفرائد البهية في نظم القواعد الفقهية للسيد أبو بكر بن أبي القاسم الأهدل.
[9] رواه الإمام أحمد في المسند, و أبو داود (رقم 2578), و ابن ماجه (رقم 1979), و الطبراني في ((الكبير)), و صححه البوصيري في مصباح الزجاجة, و العراقي في تخريج الأحياء, و الألباني في صحيح سنن أبي داود و في مواضع غيرها.
[10] زاد المعاد (1/471) ط4: مؤسسة الرسالة.








