أيها القراء الكرام,
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته,
كنت منذ فترة وجيزة في زيارة لإخوان لي في الله في قرية من قرى المملكةالعربية السعودية, و في هذه القرية أو البلدة, تعرفت على رجل حكيم, و كان مسنا أيضا, هذا الرجل المسن يعد من أعيان تلك القرية التي زرتها, و كان حديث هذا الرجل لا يمل و لا يُكل, فقد أعجبني و بهرني, و لم أتوقع أبدا بكل صراحة أن أجد رجلا بهذه الحكمة في قرية كالتي زرتها, مع احترامي و تقديري لأهل القرى, و مما حدثنا به هذا الرجل قصة عجيبة مليئة بالحكم, لا أدري هل وقعت حقيقة أم لا, و لكن الذي قص علي هذه القصة قصها بصيغة توحي بأنها وقعت, فأحببت أن أكتب لكم هذه القصة بأسلوبي, مع إضافات بسيطة غير مخلة بالمعنى العام, حتى نستفيد جميعا من حكمها, و أسأل الله أن يوفقنا و أن يهدينا جميعا إلى سواء السبيل,
و إليكم القصة ...
دخل أبو فراس على أميره الذي كان يعمل معه منذ فترة, و كان في عمله ذلك مرتاحا, لا يشكو سوء معاملة و لا ظلم من الأمير, بل لم ير منه إلا كل خير من عطاء, و إنصاف, و بذل, و صلاح, فأحب أبو فراس الأمير, و خدمه خدمة الولد لوالده, و تزامن الرجلان لفترة طويلة حتى أصبح أبو فراس من أقرب المقربين إلى الأمير بحيث أن كلمته غدت مسموعة و محترمة بين الناس. كان الأمير في ذلك اليوم يقيم مأدوبة في بيته قد دعا إليها بعض كبار القوم و قادة العشائر المجاورة للمدينة التي كان يحكمها هذا الأمير. و كانت من عادة هذا الأمير أن يدعو الناس إلى قصره دائما ليكرمهم, و ليتفطن لأمر رعيته أيضا, هكذا علمه أبوه أن يصنع, و قد كان أبوه من الأمراء المحبوبين, و مع ذلك كانت سلطته نافذة و قوية. فرح الأمير و سُر عندما رأى عامله الحبيب أبا فراس, فأقبل عليه مبتسما مظهرا ثناياه و صافحه, ثم بدأ يحدثه عن المهام التي يريده أن يقوم بها في هذه المأدوبة. سارع أبو فراس بالإذعان لأوامر الأمير و بالغ في إتقان تنفيذها, ليس من كونها أتيت من أميره فحسب, بل من فرط حبه للأمير.
انتهى أبو فراس من تنفيذ أوامر الأمير, و الضيوف عندئذ قد شغروا جميع الأماكن في صالات و مجالس القصر, و لم يبق بعد ذلك إلا العشاء ثم الانصراف, و تكون بذلك قد تمت الليلة على خير, أشار الأمير إلى أبي فراس, فقام إليه أبو فراس على عجلة, فأخبره الأمير بأنه يود أن يصطحبه معه إلى صالة الطعام حتى يطلعوا سويا على التجهيزات الأخيرة و يتأكدوا أن الأمور تسير على ما يرام, استغرب أبو فراس من الأمير, إذ أنه لم يكن يقوم ليفعل ذلك من قبل, و لكنه تقبل الأمر مما يعلمه من تواضع هذا الأمير, و حبه لأهل بلده. دخل أبو فراس خلف الأمير إلى صالة الطعام المزخرفة و المنحوتة بأجمل النحت و الفن, ثم ما لبث قليلا حتى انفجر بالضحك مما رأى, بخلاف عادته, فإنه قد كان يهيب الأمير و يجله أيما إجلال, استغرب الأمير من صنيع أبي فراس, و غضب بعض الشيء,
فقال الأمير: ((ما يضحكك يا أبا فراس؟))
فأتى الرد بصوت شحيب ضائع بين شدة القهقرة: ((لا شيء يا سيدي, لا شيء))
فقال الأمير بحزم: ((مما تضحك؟ أخبرني؟ ألم تعجبك الوزة التي جعلتها للأضياف, الوز يا أبا فراس عزيز و نفيس في بلادنا, و تقديمه للضيوف غاية في الكرم))
فتمالك أبو فراس نفسه و قال بعد أن تنحنح: ((أعلم ذلك يا سيدي, و لا أشك في كرمكم, و لكنني لم أضحك من هذا, ضحكت من أمر تذكرته, قد مضى منذ أمد بعيد, هو ليس مهما, دعنا نرجع إلى الضيوف يا سيدي, فالوقت قد تأخر))
فأبى الأمير على أبي فراس, و أقسم عليه أن يخبره بما أضحكه, و أصر عليه حتى علم أبو فراس أنه لا مخرج و لا بد من إخبار الأمير بما أضحكه.
فقال أبو فراس: ((عندما كنت في ريعان شبابي, قبل أن أعرفك, كنت أسكن في البادية, و بحكم الفقر الشديد الذي كنت أعاني منه, كنت من قطاع الطرق, إذ أنني حاولت بشتى الوسائل أن أعمل أي عمل آخر, و لكن دون جدوى, و في يوم من الأيام كنت أنتظر أي مسافر أجده على قارعة الطريق, و بعد لبث مديد في حر الظهيرة اللاذع رأيت رجلا على فرسه منفردا, ليس معه أحد, و فرحت لذلك و تهللت, و مما زاد في فرحي أن علامات الغني قد ظهرت على هذا الرجل من هندامه و جودة فرسه, فوضعت له كمينا, و هددته بسلاحي حتى أذعن لي, و نزل من فرسه, و بكل يسر, أعطاني كل ما عنده دون تردد, و لكنني كنت حينئذ في ريعان شبابي و عنفواني, و أبت نفسي إلا الانتقام من هذا الرجل, لأنني و بكل صراحة حسدته على غناه, فوثقت يديه, و أمرته بأن يمشي أمامي, بعد أن تأكدت أن ما سرقته منه كان مخبأ بعيدا عن الطريق, و كانت هناك بحيرة صغيرة لا تبعد عن الطريق كثيرا, قد تجمع الماء فيها من جراء الشتاء المطير الذي سبق ذاك الربيع, و مما أدهشني عندئذ أن الرجل لم يبدِ أي خوف أو وجل, و لم يتكلم بأي كلمة إذ ذاك, و لكنني أصريت على مرادي, حتى وصلنا إلى البحيرة, و عندها تيقن الرجل أنني أردت قتله, فدفعته حتى جثا على ركبتيه, و وجه مستقبلا البحيرة, فأشهرت سيفي و لمع و برق عندما انعكس ضوء الشمس على سنامه, و في تلك اللحظة طارت وزة وحيدة من فوقنا, اخترقت بصوتها محيطات الصمت, ثم قال الرجل: اللهم أشهد هذه الوزة على قتلي.
و عندها ضربت عنقه, و خر صريعا, فالوزة التي عندك يا سيدي ذكرتني بالقصة, و ضحكت من سخافة الرجل في آخر كلمات حياته.))
وقف الأمير متحيرا, و لم يضحك, بل لم يبتسم, و نظر إلى أبي فراس نظرة مدقق و قال:
((قتلته يا أبا فراس؟))
فرد أبو فراس بلا مبالة: ((نعم يا سيدي, لم يكن سوى رجل غريب, أظنه من بلاد بعيدة))
فعندها تبسم الأمير أخيرا و قال: ((الوزة قد شهدت عليك يا أبا فراس))
ثم نادى الأمير حاجبه, و أمر بتنفيذ حكم الإعدام على أبي فراس, لأن القصة التي ذكرها أبو فراس كانت بمثابة إقراره بجريمته, و الإقرار أقوى طرق الإثبات, أو من أقواها على الأقل, و الوزة شهدت فعلا على أبي فراس, إذ أنها جعلته يضحك, مما جعل الأمير يأمره بأن يدلي بسبب ضحكه, و هذا بدوره أدى إلى إعتارف أبي فراس و إقراره, و لم يتوان الأمير بتنفيذ الحكم على أبي فراس, فأُعدِم أبو فراس بعد فترة وجيزة, و ظهر بذلك تمام عدل الملك الذي نفذ العقوبات على أقرب المقربين.
كتبه
حامد بن محمد هرساني
16-3-1428 هـ
4-4-2007 م








