نبض القلم
ينبض القلم ... قد يبوح بالألم ... أو يطنطن للفرح و الحلم ... هكذا نبض القلم !!!
المولد النبوي ... حكمه, و طريقة التعامل مع المخالف.

بسم الله الرحمن الرحيم

و به نستعين

 

 

الحمد لله رب العالمين, الرحمن الرحيم, مالك يوم الدين, و الصلاة و السلام على المبعوث رحمة للعالمين, نبينا محمد و على آله و صحبه أجمعين ...

 

أما بعد,

 

أزف المولد النبوي و اقترب موعده, و معه ترتفع رايات النقاش و الحوار الساخن عن مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي, و هذا النقاش و الحوار في أصله شيء إيجابي, إلا أنه في كثير من الأحيان يؤدي إلى عداوات و خصومات غير محمودة العاقبة. أحببت في هذه المناسبة, أن أبين ما أراه صوابا في هذه المسألة مستندا على ما أقول بكلام أهل العلم الثقات. و أنا إذ أبين حكم هذه المسألة, أنبذ و بشدة التشدد عند بعض الناس في القسوة على أهل الموالد و الشدة معهم, و أنا لا أرى هذا المسلك بتاتا إلا مع من غلا منهم في احتفاله بالمولد.

 

و مما يجب التنبيه إليه أنني في حديثي هذا لن أتحدث عن من غلا في احتفاله بالمولد, فأحدثَ ألفاظا و أقوالا شركية[i], بل سأقتصر على الحديث عن حكم الاحتفال بالمولد من حيث هو, على فرضية أنه سلم من كل ما يشوبه من غلو و شركيات, و هذا الافتراض و إن كان نادرا, إلا أنني أرجو به أن أكون قد أنصفت فيه من يقول يجواز الاحتفال بالمولد.

 

أولا, لا بد أن يعلم أن نشأة المولد كانت من قبل الفاطميين[ii], و كان سبب ذلك أنهم رأوا ما يفعل النصارى مع عيسى عليه السلام من الاحتفال بمولده, فرأوا أن النبي صلى الله عليه و سلم أولى بذلك من عيسى عليه السلام, و هذا باطل من وجهين:

 

الأول: لو كان هذا العيد مشروعا لكان أول من احتفل به نبينا محمد صلى الله عليه و سلم, لأن النبي صلى الله عليه و سلم صام فرحا لنجاة موسى عليه السلام من فرعون, و مع ذلك لم يحتفل بميلاد عيسى عليه السلام, فعلم من ذلك أنه لا يعهد من الشرع تشريع عيدا يعظم فيه شخصا بعينة, و إن كان نبيا.

 

الثاني: أن التشبه بأهل الكتاب لا يجوز, و يتأكد ذلك في التشبه بهم في أعيادهم و عباداتهم لقول النبي صلى الله عليه و سلم: ((من تشبه بقوم فهو منهم))[iii], و قال صلى الله عليه و سلم: ((ليس منا من تشبه بغيرنا, لا تشبهوا باليهود و لا بالنصارى))[iv]

 

و اتخاذ الأعياد و الاحتفال بها عبادة توقيفية لما روى أبو داود عن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه قال: ((نذر رجل أن ينحر إبلا ببوانة, فسأل النبي صلى الله عليه و سلم, فقال: هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا. قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا. فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: أوف بنذرك, فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله, و لا فيما لا يملك ابن آدم))[v].

 

يقول ابن تيمية- رحمه الله- : ((فالعيد يجمع أمورا منها يوم عائد, كيوم الفطر و يوم الجمعة, و منها اجتماع فيه, و منها أعمال تتبع ذلك من العبادات و العادات))[vi].

 

و هذه الأركان الثلاثة التي ذكرها ابن تيمية - رحمه الله - متححقة في المولد, فلذا لزم على من أثبت الاحتفال بالمولد أن يأتي بدليل من الكتاب و السنة على مشروعيته, و إلا فهو بدعة.

 

أما عن حكم المولد النبوي التكليفي, فهو ليس واجبا, لأن الواجب هو ما يُذمُ تاركه شرعا[vii], و تارك الاحتفال بالمولد لا يذم شرعا, لأنه لا يوجد نصا في الكتاب أو السنة يذم تارك الاحتفال بالمولد النبوي. و هو كذلك ليس سنة لأن السنة ما أمر به الشارع أمرا غير جازم[viii], و المولد لم يأت بأمر من الشارع في أي موضع من الكتاب و السنة, و هو كذلك ليس مباحا, لأن الابتداع في الدين ليس مباحا[ix], فبقي إما أن يكون مكروها أو حراما, و الابتداع في الدين محرم في ذاته, و في هذا نقولات عديدة عن السلف, من أعظمها, أثر عظيم عن ابن مسعود رضي الله عنه, أسوقه بنصه لاتمام الحجة و المنفعة,

 

عن عمرو بن يحي قال: سمعت أبي يحدث عن أبيه قال: كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قبل صلاة الغداة, فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد, فجاءنا أبو موسى الأشعري رضي الله عنه, فقال: أخرج إليكم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا: لا, فجلس معنا حتى خرج, فلما خرج قمنا إليه جميعا, فقال أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن, إني رأيت في المسجد آنفا أمرا أنكرته و لم أر و الحمد لله إلا خيرا, قال: فما هو؟ فقال: إن عشت فستراه, قال: رأيت في المسجد قوما حلقا جلوسا ينتظرون الصلاة, في كل حلقة رجل و في أيديهم حصى, فيقول: كبروا مائة فيكبرون, فيقول: هللوا مائة فيهللون مائة, و يقول: سبحوا مائة فيسبحون مائة, قال: فماذا قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئا, انتظار رأيك أو انتظار أمرك, قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم, و ضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم شيء, ثم مضى و مضينا معه حتى أتى حلقة من تلك الحلق فوقف عليهم, فقال: (ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن, حصى نعد به التكبير و التهليل و التسبيح, قال: فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء, ويحكم يا أمة محمد, ما أسرع هلكتكم, هؤلاء صحابة نبيكم صلى الله عليه و سلم متوافرون, و هذه ثيابه لم تبل, و آنيته لم تكسر, و الذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد صلى الله عليه و سلم, أو مفتتحوا باب ضلالة) قالوا: و الله يا أبا عبد الرحمن, ما أردنا إلا الخير, قال: (كم من مريد للخير لن يصيبه)[x]

 

هذا أثر قوي جدا عن أحد علماء الصحابة في إنكار بدعة قد تبدو في ظاهرها أنها خير, و لكن الخيرية لا تتحقق حقيقة إلا في الاتباع, فالنية الصالحة لا تكفي, إذ أن لقبول العمل شرطان, الإخلاص و المتابعة, و الاحتفال بالمولد النبوي يفتقد الشرط الثاني من شرط قبول العمل, لأنهم لم يتابعوا رسول الله صلى الله عليه و سلم و لا صحابته و لا القرون المفضلة في الاحتفال بالمولد, و هم كانوا أشد حبا لرسول الله صلى الله عليه و سلم منا, و أشد حرصا على اقتفاء أثره و اتباع سنته. و في هذا يقول الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: ((اتبعوا و لا تبتدعوا فقد كفيتم, اتبعوا آثارنا فقد سُبِقْتُم سَبقا بعيدا, و إن أخطأتم فقد ضللتم ضلالا بعيدا))[xi].

 

و الضابط في البدعة في العبادة أن يكون النبي صلى الله عليه و سلم مستطيعا لفعل هذه العبادة في زمانه, و لكنه لم يفعلها مع انعقاد السبب, لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.

 

قال ابن القيم رحمه الله عند إثباته لعدم وجود سنة راتبة قبل صلاة الجمعة: ((و لا يجوز إثبات السنن في مثل هذا بالقياس, لأن هذا مما انعقد سبب فعله في عهد النبي صلى الله عليه و سلم, فإذا لم يفعله و لم يشرعه, كان تركه هو السنة))[xii].

 

و الاحتفال بالمولد النبوي كذلك انعقد سبب فعله في زمن النبي صلى الله عليه و سلم, بل قد تكرر ما يربو على عشرين مرة, و مع ذلك لم يشرع لنا الاحتفال به, فإما أن يقول أصحاب الموالد بأن هذا الاحتفال و العيد كان خافيا على النبي صلى الله عليه و سلم, و هذا من أبطل الباطل, و إما أن يقولوا بأن النبي صلى الله عليه و سلم كان يعلم ذلك, و لكنه كتمه, و هذا أقبح, لأن الله سبحانه و تعالى يقول في كتابه:

 

((إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات و الهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله و يلعنهم اللاعنون))[xiii]

 

و ختاما, أرجو أن أكون قد أصلت المسألة شرعا, و إن كان ما كتبته موجزا قليلا, خشية الإطالة على القراء الكريم. و أما عن شُبه من يرى جواز الاحتفال بالمولد النبوي فهي كثيرة, و الردود عليها واضحة بينة, لا سيما إن تأصلت المسألة شرعيا, و من أعظم هذه الشبه قولهم بأن الاحتفال بهذا المولد يحيي ذكرى النبي صلى الله عليه و سلم بين الناس, و الرد على هذا يأن يقال بأن هذه الشبهة تصلح لو كان المسلمون قد نسوا رسولهم صلى الله عليه و سلم, و لكن الواقع هو عكس ذلك, مع إقراري بأن هناك خلل عند الناس في معرفة السيرة, و هذا الخلل يسد بطرق عدة, منها إقامة الدروس في السيرة, و نشر كتب و أشرطة السيرة إلخ, و لكن المشكلة في الأمة هي ليست عدم معرفة السيرة فحسب, بل هي عدم اتباع هذه السيرة, فالسيرة النبوية المطهرة ليست قصصا و أساطير, بل هي منهج قويم, و صراط مستقيم, ينبغي على كل مسلم أن يقتفيه و يتبعه, و هذه هي المشكلة الكبرى التي لا بد أن تعالج في الأمة, فكثيرا ما ترى أناسا يبكون و يتأثرون عندما يستمعون إلى سيرة النبي صلى الله عليه و سلم, و لكنهم سرعان ما ينسون كل شيء إذا خرجوا من درس السيرة, لأنهم لم ينظروا إلى هذه الدروس النظرة الصحيحة, و هي النظرة التطبيقية. و مما أحب أن أؤكد عليه أيضا في الختام موضوع احترام المسلمين بعضهم لبعض, و عدم القسوة و الفظاظة بينهم البعض, فالاحتفال بالمولد النبوي أو عدمه ليس من المسائل التي يقوم عليها ولاء و براء و هجران (إن خلت من الغلو الجائر الذي يحصل في بعض الموالد), فيا مسلمين, يا أمة محمد, يا أمة التوحيد, تذكروا قول حبيبكم و قرة أعينكم نبي الرحمة, إذ قال صلى الله عليه و سلم:

 

((لا تحاسدوا, و لا تناجشوا, و لا تباغضوا, و لا تدابروا, و لا يبع بعضكم على بيع بعض, و كونوا عباد الله إخوانا, المسلم أخو المسلم: لا يظلمه, و لا يخذله, و لا يكذبه, و لا يحقره. التقوى ههُنا - و يشير إلى صدره ثلاث مرات- بحسب امرىءٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم, كل المسلم على المسلم حرام: دمه و ماله و عرضه))[xiv].

 

 

كتبه

حامد بن محمد هرساني

8-3-1428هـ

27-3-2007م



[i]كقول البوصيري:

 

يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به******سواك عند حدوث الحادث العمم
إن لم تكن آخذا يوم المعاد يدي******صفحا وإلا فقل يا زلـة القـدم
فإن من جودك الدنيا وضرتها******ومن عـلومـك علم اللوح والقلم

 

و هذا الكلام لا شك في شركيته, لأن هذه الأوصاف لا تصح إلا لله عز و جل.

 

 

[ii] راجع كتاب الخطط و الآثار للمقريزي.

[iii]رواه الإمام أحمد و أبو داود من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما, و صححه ابن حبان, و حسنه ابن تيمية و ابن حجر.

[iv] رواه الترمذي.

[v]رواه أبو داود, و هو على شرط البخاري و مسلم.

[vi]انظر اقتضاء الصراط المستقيم لشيخ الإسلام ابن تيمية.

[vii] انظر المستصفى للغزالي (1/127) و روضة الناظر لابن قدامة (1/100)

[viii]مذكرة أصول الفقه للشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ص 19)

[ix]انظر حكم الاحتفال بالمولد النبوي لتاج الدين الفاكهاني.

[x]رواه الدارمي, و رواه الإمام أحمد في الزهد و الطبراني و أبو نعيم في الحلية و أبو الفرج ابن الجوزي بألفاظ مختلفة قليلا.

[xi]أخرجه ابن بطة في الإبانة برقم (197)

[xii]زاد المعاد (1/417-418), و قد ذكر الشيخ ابن عثيمين رحمه الله يشاكل هذا الكلام في سلسلة تفسير جزء عم, الشريط الرابع في آخر تفسير سورة الانشقاق, يراجع لعموم الفائدة.

[xiii]سورة البقرة (آية 159)

[xiv]رواه مسلم.

(3) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية