نبض القلم
ينبض القلم ... قد يبوح بالألم ... أو يطنطن للفرح و الحلم ... هكذا نبض القلم !!!
((فتاة سجن الغابرية))

بسم الله الرحمن الرحيم
 
 
أعزائي القراء,
 
مشاركتي هذا الأسبوع ستكون بقصة قصيرة قد كتبتها من نسج الخيال, و هذه القصة و إن كانت خيالية من حيث المنشأ, إلا أنها معبرة لواقع أليم نعيشه اليوم, و بالأحرى واقع مرير تعيشه بعض الفتيات اليوم.
 
هذه القصة مؤثرة جدا, فلا أنصح ذوي القلوب الضعيفة بأن يقرؤوها, و هي مع ذلك قصة لم تقع, و للكاتب أن يعبر بما شاء ما دام أنه يكتب في الخيال, و أنا أعلم أن بعض ما فيها قد لا يقع أو يحتاج إلى تدقيق أشد (كما حدث مع القاضي في القصة), فأرجو أن لا تقرأ هذه القصة من منطلق التدقيق, و إنما من منطلق الاعتبار, فالمحكي عنه في القصة أزمة موجودة نعاني منها في المجتمع حاليا.
 
و إليكم القصة التي أسميتها ب ((فتاة سجن الغابرية)):
 

 

((أشتد المطر و لفعني البرد في تلك الليلة الدامسة التي تطمس الرؤية عن الأنظار لشدة سوادها, و لكنني كنت في دفء السيارة في الطريق مما يمكنني من التمتع و الطرب بصوت المطر ورونقه الجميل الذي يهيمن على العقل فيجعله يحلم و يذهب إلى عوالم بعيدة, و ما أجمل هذه العوالم البعيدة التي تنسي الإنسان مرارة هذا العالم الذي يقطنه, عالم الهذيان و العته, لبعض الناس إنه حقا عالم يضارع جهنم.

 

وصلت إلى سجن الغابرية أخيرا في ضواحي البلدة, و أطفيت محرك السيارة و محركها يبوح بأخر صرخاته الخافتة التي تسبق سكونه التام, ثم توجهت إلى بوابة السجن لأقابل الحارس الملتحف بملابس دافئة لا يبدو منه إلا القليل.

 

ثم سألني بنظرة ثاقبة: أأنت الصحفي؟

 

فقلت: نعم.

 

ثم سألني عن اسمي الرباعبي فأخبرته بأنني مهند بن شادي بن فيصل قابل, و أخبرته بمعلومات إضافية أرادها مني, وأعلمته بأنني قد حضرت لزيارة السجينة زينب بنت نواف أشرف, فهز رأسه بعد أن أكمل إجرائات الدخول و أرشدني إلى الطريق فسلكته حتى أدخلتني راعية السجناء إلى غرفة خافتة الضوء يقسمها شبك حديدي كي يقطع أي فرصة اتصال جسدي بين الزائر و المزور, انتظرت لفترة قصيرة حتى دخلت زينب محتشمة و جلست في مقابلي و سلمت بصوت قاصر, فرديت السلام, و هذا ما دار بيني و بينها من حوار:

 

((بماذا تشعرين يا زينب؟)).

 

((لا أستطيع أن أوصف شعوري, فهو شعور أي إمرأة تنتظر الموت في الصباح))

 

((متى صدر الحكم في حقك, و بيني لي إذا سمحتي ماهية الحكم؟))

 

((صدر الحكم عند اللعان فإني صمتت, فكان ذلك إقرارا مني على جريمتي, فحكم القاضي علي بالرجم حتى الموت فورا, ثم أخبرت بعدها بقليل عن موعد الرجم, و الحمد لله على كل حال))

 

((يا زينب, أنا أتيت إلى هنا لأعطيك الفرصة لكي تسمعي الناس صوتك, و لكي تجلعي ما حدث لكي عبرة لغيرك, و لك في ذلك أجر عظيم بإذن الله, فتحدثي يا زينب, ولن أقاطعك حتى تنتهي))

 

صمتت زينب قليلا و احتست حسيات من الماء ثم بدأت قصتها, و إليكم أن تتخيلوا و تتصوروا مشاعرها أثناء حديثها لأنني لم أكتبها خشية قطع سياق حديثها, و كانت بالفعل مشاعر مؤثرة جدا:

 

((لم أكن إمرأة شريرة أو فاجرة كما قذ يظن البعض, فأنا كنت أصلي و أصوم و لكني كنت مقصرة في حجابي و متساهلة كما هو الحال في كثير من الفتيات اليوم و للأسف, لم أكن أقصد بذلك خيانة زوجي أو عدم الولاء له, و لكنني أحببت أن أكون جميلة و مغرية أمام الناس إذا خرجت, و أحببت أن ألفت الأنظار.

 

فخرجت في يوم من الأيام إلى السوق, و كنت بنفسي, و بينما أنا أتسوق لحقني شاب و كنت أشعر بنظراته المعجبة بي, فأعجبت بذلك ووسوس إلي الشيطان حتى ضعفت و قبلت من الشاب رقمه إذ أنه كان أيضا شابا وسيما. لم أكن أريد أن أقيم معه علاقة أو أي شيء من هذا القبيل, و لكن كل ما أردته أن أتحدث معه بالهاتف و لا سيما أن زوجي كان طيارا و كانت سفراته كثيرة, و كنت أحبه حبا شديدا, لكن هذا لا يغني شيئا إذا غاب الوازع الديني, و للشيطان خطوات كما هو معلوم.

 

اتصلت بالشاب و كان اسمه غالب, و كان شابا لطيفا, يتحدث معي بكل حشمة و أدب و صداقة لعلمه بأنني إمرأة متزوجة بعد أن أخبرته بذلك, و لكنني بعد فترة بدأت أركن إليه شيئا فشيئا, و ركن إلي كذلك و شعر بركوني, و لكنه لم يستعجلني خشية أن أرفض و امتنع عن التحدث معه, و أمهلني و استدرجني حتى أصبح الركون حبا, ثم فاجأني بعد ذلك في يوم ما بقوله أنه يحبني, فلم أتمالك سروري و مشاعري, و لم أستطع مقاومتها فأخبرته بأنني أحبه  ففرح لذلك فر حا شديدا فيما ظهر لي, و بدأ بيننا الكلام بالحب و الغزل, و لم أشعر بكبير جرم إذ أنني أتحدث مع رجل غريب لا أعرفه و لا يعرفني حقيقة, إنما نفعل ما نفعل للتسلية و لقتل الوقت, و لكن الأيام حولت الحب إلى عشق, ثم تحول هذا العشق إلى وله يذهب العقل, و لم أعد أصبر عن لقائه, فكان رجلا رومانسيا و لطيفا, لم يكن ذئبا و أوحيوانا شهوانيا كأغلب المعاكسين في الأسواق, و بعد فترة أخبرني غالب بأنه يريد أن يراني, لأنه لا يعقل و لا يقبل أن يعشق إمرأة هذا العشق بدون أن يعلم شكلها, و كان كلامه منطقيا بحيث أنه فوه بأن يكون اللقاء في مطعم للعشاء دون غيره, ثم يرجع كل واحد إلى منزله في احتشام. فوافقت على ذلك, و كان عشاء جميلا رومانسيا قدم لي فيه وردة جميلة, و سكرت بغزله و إطرائه على جمالي و هندامي الفاتن, ثم ذهبت إلى بيتي فرحة مسرورة بتعرفي على هذا الرجل الذي يندر وجود مثله, فوافقت على تكرير مثل هذه اللقائات من بين الفينة و الأخرى, وفاجائني أنه لم يحاول حتى مسي أو تقبيلي من شدة احتشامه و احترامه, فزاد عجبي له ورغبتي فيه لهذه الأخلاق النادرة, و في يوم من الأيام أخبرني بأنه يريد أن يدعوني للعشاء في منزله, لا سيما أنه يسكن بنفسه, بيد أنني ترددت و أظهرت الرفض في البداية, فلما ألح علي قبلت لعلمي بأخلاقه و سلوكه الماضية.

 

فذهبت إلى بيته و تعشينا عشاء جميلا, و غمرني بغزله و ثنائه علي, فأصبحت معتوهة في حبه, و عندها اقترب مني و مسني لأول مرة, أراد تقبيلي فلم أظهر الرفض, و توالت الأحداث بموافقتي حتى وجدته كالحيوان فوقي قد أخذ كرامتي و شرفي و هو يبدي صيحات كالكلب, و عندها نزلت دمعتي و شعرت بجرمي, و زاد ذلك أن الرجل الذي كنت أحبه تحول من رجل رومانسي عطوف حنون إلى ذئب مجرم, فأخبرني أنه قد صور كل ما حدث و أراني الشريط, ثم هددني بأنني إن لم أفعل ما يريده أنه سيرسل الشريط إلى زوجي, فخفت خوفا شديدا, و بكيت أمامه بكاء مرا, و لكنه لم يرحمني و طردني من بيته بأبشع الألقاب, و كان يطلب مني أن أعود إليه متى ما شاء حتى يزني بي, و كنت أوافق خشية الفضيحة مع أن  هذا الرجل أصبح أبغض رجل إلى قلبي, ثم تتطور الأمر حتى أصبحت سلعة يزني بي كل أصدقائه, و كنت أفعل كل ذلك خشية الفضيحة و يا ليتني لم أفعل , لأنه فضحني في النهاية عندما مل مني, و أرسل الشريط إلى زوجي بعد ما وافقت و حققت كل طلباته, و دخل علي زوجي في يوم من الأيام و أنا لا أعلم أنه قد علم, فأخبرني بأنه يريد أن يأخذني معه إلى مشوار مهم, فوافقت و ذهبت معه, و فوجئت عندما و جدت نفسي في المحكمة و فد أظهر الزوج الشريط للقاضي و لاعنني أمامه, فسكتت و أقررت لأنني عندها تبت و علمت أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الأخرة, و ها أنا أمضي أخر ليلة لي في الدنيا, أسأل الله أن يغفر لي))

 

ثم لهجت زينب بالبكاء, و تمتمت و أمنت بصوت يسمعني, فالتوبة بابها مفتوح, ثم سقطت دمعات من عيني, و كأن زينب لاحظت ذلك و عرفته فسألتني لماذا أبكي.

 

فقلت بصوت شحيب: (( لأنني سأكون ممن يرجمكي يا زينب))

 

فابتسمت و قالت: ((إن تفعل فقد رجم الصحابة الغامدية, وهم خير منك و هي خير مني, و أسألك يا أخي أن لا ترحمني, كما قد أمر الله, و أن تصيب مني المقاتل حتى أعذب عذابا يرحمني الله به عند موتي))

 

كنت ممن رجم زينب لأن هذا هو حكم الله, و إن كان قلبي قد حن لها, و لم يستلم أحد جثتها, فطلبت أن أستلمها أنا, و تكفلت بكل إجرائات الدفن.

 

رحم الله زينب فقد ماتت و هي حية, و حيت و هي ميتة.))
 
 
كتبه
حامد بن محمد هرساني
(31-12-2005)
و نشره في
(21-3-2007)
 

(3) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية