نبض القلم
ينبض القلم ... قد يبوح بالألم ... أو يطنطن للفرح و الحلم ... هكذا نبض القلم !!!
إحياء التراث الإسلامي في طرق التدريس

بسم الله الرحمن الرحيم

 

إحياء التراث الإسلامي في طرق التدريس

 

 

 

إن تراثنا الإسلامي في طريقة التعليم من الأمور التي ينبغي على المسلمين إحيائها و إعادة تفعيلها في جميع فئات المجتمع. فالتعلم عن طريق العلماء الربانيين في المساجد و الجوامع له فضائل و عجائب قد تخفى على البعض. و قد يقول فئام من الناس بأن هذه الطرق القديمة لم تعد تجدي نفعا, فالعالم تطور و أساليب العلم تقدمت كثيرا. و الرد على مثل هذا واضح بين. أولا, إن الدعوة إلى إعادة الإهتمام بتراثنا التعليمي لا تعني بأي حال من الأحوال أن نغفل الطرق الحديثة, فنغلق المدارس و المؤسسات التعليمية, بل إن المعني يعاكس ذلك تماما, فتفعيل الطرق التراثية في التعليم لا تكون أبدا على حساب الرقي العلمي الحديث و أساليبه. ثانيا, لو نظر الإنسان إلى المؤسسات العلمية الراقية في الغرب لوجد أنها مع تطورها, فقد حافظت إلى درجة كبيرة على تراثها القديم, و لم يحصل أي تعارض.

 

كيف هي الطريقة التعليمية الإسلامية القديمة؟

 

تقوم هذه الطريقة على وجود شيخ أو معلم في المسجد, و يكون هذا المعلم على كرسي مرتفع بعض الشيء حتى يراه الطلاب, و الطلاب بدورهم يتحلقون حول الشيخ و يجلسون على الأرض. و يقوم أحد الطلاب بقراءة كتاب معين على الشيخ, و يستوقفه الشيخ عند النقاط المهمة حتى يعلق عليها. و هذه القراءة قد تتخذ أساليبا مختلفة, فإما أن يقرأ الطالب جميع مقرر ما يريد الشيخ شرحه في ذلك اليوم, و إما أن يقرأ الطالب و يستوقفه الشيخ عند كل مشكل حتى يوضحه, و قد يقرأ الشيخ بنفسه أحيانا. و في بعض الحلقات قد يتحدث الشيخ و يلقي الدرس بدون قراءة في كتاب معين.

و في نهاية الدرس غالبا يفسح الشيخ بعض الوقت لتلقي الأسئلة حتى يجيب عليها, يبدأ في الأغلب بالأسئلة المختصة بالدرس الذي قد شرح ثم ينتهي ببعض الأسئلة العامة خارج نطاق الدرس.

و تكون في الجامع الواحد الكبير عدة حلقات في دروس مختلفة و مراحل مختلفة. فطلاب العلم يقسمون قديما و حديثا إلى ثلاثة مستويات, مبتدئين, و متوسطين, و منتهين. فالحلقات مع تنوعها في العلوم, كذلك تتفاوت في المستوى حتى يتسنى لأي طالب علم من أي مستوى, التعلم في الجامع. و قد أُثر عن بعض المعلمين أنهم لم يسمحوا لطالب مبتدأ بالحضور في حلقتهم, و أرشدوه مع ذلك إلى الحلقة المناسبة حتى لا تلتبس عليه العلوم, فإنه لو بدأ بالصعب قد ينفر من العلم  و يستصعبه.

و يوجد أيضا معلمين غير أصحاب الحلقات, يجلسون على سواري و أعمدة معروفة لدى الطلبة, و هؤلاء المعلمون غالبا ما يعلمون طلاب قلائل, أو يشرحون ما استشكل على الطلاب من كلام العلماء. و القراء كذلك يسلكون هذه الطريقة كي يكونوا أقرب من طلابهم, إذ أن القرآن يؤخذ بالتلقي عن أفواه القراء.

و مع اختلاف نوعية العلوم و تفاوت مستوياتها, كذلك تتفاوت أوقات التدريس, فالدروس تكون بعد الفجر, و بعد العصر, و بعد المغرب, و بعد العشاء, فبذلك يتمكن أي إنسان من التعلم في أي وقات بما يتوافق مع ظروف يومه و أعماله.

 

ما هي ميزات هذه الطريقة؟

 

لهذه الطريقة ميزات كثيرة, و منها ما يلي:

 

·        نيل الطالب لبركة المسجد, فقد قال صلى الله عليه و سلم: ((ما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله, أو يتدارسونه فيما يبنهم إلا نزلت عليهم السكينة, و غشيتهم الرحمة, و حفتهم الملائكة, و ذكرهم الله فيمن عنده)) {رواه مسلم}.

·        ربط العلم النظري بالعلم التطبيقي, فمثلا: إذا تعلم الطالب الصلاة في المسجد, فإنه سرعان ما يطبق ما تعلمه, و كذلك فإنه في المسجد يرى معلمه يصلي إذا حان وقت الصلاة, فيتعلم من علمه و عمله. و الأمثلة على ذلك كثيرة.

·        وضع الطالب في بيئة دراسية توفر له الاحتكاك مع العالم, و هذا الاحتكاك كما أنه يفيد الطالب, فإنه كذلك يسنح للطالب فرصة الاستفادة من المعلم في مواقفه و هديه مع الناس. و في ذلك يقول ابن سيرين- رحمه الله – عن حالة المتعلمين في زمنه: ((كانوا يتعلمون الهدي كما يتعلمون العلم)). فيرى الطالب أدب الشيخ مع المخالف في المسائل العلمية, و يرى أدبه مع الجاهل, و صبره على المتعلم, و صبره على جفاء الأعراب, و طريقته في إنكار المنكرات إلخ. أما المدرسة الحديثة فإنها لا توفر مثل هذا الجو الذي يبرز أداب المعلم. مع الإقرار تماما بأن الطالب يحتاج إلى جو المدرسة, و لكن الجمع بين هذا و هذا أفضل.

·        فتح المجال لأي إنسان يريد أن يتعلم ليتعلم, فالدراسة في الجوامع لا تكلف شيئا, و لا توجد شروطا للاتحاق بالحلقة, إلا ما ذكرت عن بعض المشايخ أنهم لا يقبلون المبتدأ في حلقات متوسطة, و هذا نادر جدا في هذا العصر, و إن وجد فبإمكان الطالب, و بكل سهولة, أن يذهب إلى حلقة مبتدأة حتى يتدرج في التعلم.

·        هذه النقطة لها علاقة بما قبلها, و هي أن التعلم في المساجد لا يكلف شيئا, مما قد يفتح المجال أمام الفقراء و المساكين للتعلم, فالرقي الثقافي و العلمي في الإسلام ليس حكرا على أحد. و بالإضافة إلى ذلك, فإن بعض المساجد و الجوامع الكبيرة تتحمل نفقة الطلاب و تمدهم بالكتب و أدوات المعرفة. فالمسجد الأموي مثلا فيه مدرسة يُنفق عليها و على طلابها من وقف أوقفه عمر بن عبد العزيز رحمه الله عليها, و ريعه يذهب إلى هذه المدرسة إلى يومنا هذا, و قد رأيت هذه المدرسة بعيني في دمشق. و كذلك رأيت في المسجد النبوي الشريف توزيع الكتب مجانا على طلاب حلقة شيخنا العلامة عبد المحسن العباد, و لا سيما كتب الشيخ الحديثة, و غير ذلك من الأمثلة.

·        تفعيل دور المسجد, و عدم تجميده, فالمسجد هو منبع العلم, و سراج العبادة, و منطلق الجهاد, و ملتقى المجتمع, و غير ذلك من الوظائف, فالنصر يبنى و ينسج من بين سواري المساجد, التي تربى فيها الصحابة و التابعون و الصالحون, فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.

 

 

و ختاما, يجب التبيين بأنه لا ينبغي أبدا ترك وسائل التعليم الحديثة كالمدرسة و الجامعة, فهي من أعظم روافد العلم, و من أهم ركائز التقدم المعرفي, و لكن لا ينبغي كذلك إغفال تراثنا التعليمي, فلا بد على الجميع أن يشجعوا أبنائهم على حضور الحلقات العلمية في المساجد لمنافعها العظيمة, و هم مع ذلك لا بد أن يحرصوا على حضور هذه الحِلق بقدر الاستطاعة,  و أنا مع ذلك أؤكد على عدم الذهاب إلى أي حلقة, بل ابحثوا عن العلماء الربانيين الذين يتمتعون بسعة الأفق و تنوع ألوان المعرفة, و هم موجودون لمن أرادهم و لله الحمد. و يجب على الإنسان أن يشعر بالفخر و البشر بأن هذه الطريقة لم تمت, بل هي ما زالت موجودة, ففي المسجد النبوي على سبيل المثال توجد أكثر من 17 حلقة رسمية, و الغير رسمية أكثر, و لكن هدفي من هذا المقال هو أنني أريد تشجيع الناس على الذهاب إلى هذه الحلقات و النهل من معارفها, و الإنسان لديه عقله الذي يتميز به, فإن ذهب و لم يعجبه هذا الشيخ أو المعلم, انتقل حتى يجد الشيخ الذي يناسبه. و مما يحمد فعله, بعث الأبناء إلى حلقات تحفيظ القرآن في المساجد, بعد التأكد من جودة المعلم و السؤال عنه, ففي ذلك فوائد عظيمة لا تخفى على اللبيب. و قد أدركت أناسا في المدينة المنورة في وقتنا الحاضر يرسلون أبنائهم إلى حلقات التحفيظ من نعومة الأظفار قبل الابتدائية, بدلا من إرسالهم إلى التمهيدي, فيؤدي ذلك إلى أن يحفظ الطالب القرآن قبل سن البلوغ, و يكون مع ذلك طالبا نجيبا ذكيا في فصله من جراء بركة هذا القرآن العظيم, و هذه الحلقات لا تستغرق وقتا كثيرا, فهي غالبا ما تكون بين المغرب و العشاء, في وقت يضيع على الناس في الغالب و للأسف.

 

تراثنا هو كنزنا الذي لا يترك, و معيننا الذي لا يغور, و لا يخلو الشيء من خلل أبدا, و لكن على الإنسان أن يسدد و يقارب, و عليه أن يلتمس البركة من الرب جل و علا, علَّ الله أن ينفعنا و ينفع بنا.

 
 
كتبه
حامد بن محمد هرساني
24-2-1428
14-3-2007
 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية