الحمد لله الذي أمرنا بالحج, و شرع لنا فيه العج و الثج, و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, إقرارا له و توحيدا, و أشهد أن محمدا عبده و رسوله, بعثه الله بين يدي الساعة مبشرا و نذيرا, و داعيا إلى الله بإذنه و سراجا منيرا, صلى الله عليه و على آله و صحبه و سلم تسليما مزيدا,
و بعد,
((يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته و لا تموتن إلا و أنتم مسلمون))
((يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة و خلق منها زوجها و بث منهما رجالا كثيرا و نساء و اتقوا الله الذي تساءلون به و الأرحام إن الله كان عليكم رقيبا))
((يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و قولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم و يغفر لكم ذنوبكم و من يطع الله و رسوله فقد فاز فوزا عظيما))
أيها المسلمون,
إن من فضائل الله علينا, و مننه التي لا تنقطع, أن جعل لهذه الأمة مواسما فيها من النفحات, و نزول الرحمات, ما يدل على عظمة رب الأرض و السموات.
ربنا رحمن رحيم, يحب أن يرحم عباده, ألم يكتب على نفسه الرحمة؟
ربنا ودود, يحب أن يتودد إلينا بنعمه و فضائله, و له المنة و الفضل, لا يزيد بطاعتنا, و لا ينقص بمعصيتنا, تعالى و تقدس في كبريائه و مجده, و مع ذلك, يتقرب إلينا, و نحن أصحاب الحاجة و الفاقة.
يتودد إلينا, و نحن أحوج إلى أن نتودد إليه.
و من توددِ المولى إلينا و تقربه, أن شرع لنا موسم الحج, لنذكره و نقدسه, لنعبده و نمجده. الحج ليس مجرد طقوس و أفعال, و لا يقتصر على أذكار و أقوال,
((لن ينال الله لحومها و لا دمؤها و لكن يناله التقوى منكم)).
الحج تقوى الله, كما أن الصيام فرض لتقوى الله, الحج لحظة محاسبة للنفس, و محاولة جعل غدا خيرا من أمس.
أيامه معدودة, و ساعاته محدودة,
قال تعالى: ((و أذن في الناس بالحج يأتوك رجالا و على كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم و يذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها و أطعموا البائس الفقير)).
فيا ليت شعري, من ذا الذي اغتنم تلك السويعات و غنم, و من ذا الذي غفل عنها فخاب و حُرم !!!
إن في الحج لدروسا و عبر, تزيد من عزيمة أولي الهمم من البشر, تبث الأمل في جنبات أمتنا العليلة, و تضرب المثل الذي يجب أن يحتذى في أيام قليلة ...
علنا أن نقف على عبرة واحدة, أمتنا في حاجة إلى تدبرها و تأملها, ففي الأمة جروح و كلوم لا يداويها إلا الحج.
فالحج منطلق, ففي عرفة اكتمل الدين, كما نزل بذلك الروح الأمين:
قال تعالى: ((اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الإسلام دينا))
عن طارق بن شهاب قال:
جاء رجل من اليهود إلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا أنزلت معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيداً.
قال: وأي آية؟
قال: ((اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا))
فقال عمر: إني لأعلم اليوم الذي أنزلت فيه والمكان الذي أنزلت فيه نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة في يوم جمعة (رواه مسلم).
و من أهم عبر الحج و دروسه, أن فيه تجسيد واقعي حقيقي لوحدة الأمة, بغنيها و فقيرها, بعربها و عجمها, الكل محرم, و مظهر للفاقة للمتفرد المنعم,
الهوية واحدة: أبي الإسلام لا أبا لي سواه و لو افتخروا بقيس أو تميم
و اللغة واحدة: لغة التوحيد.
و اللهجة واحدة: لهجة الصدق.
و الشعار واحد: شعار لبيك اللهم لبيك, لبيك لا شريك لك لبيك.
و الأرض واحدة: أرض الله.
و المقصد واحد: تلبية دعوة الله.
و الدمعة واحدة: دمعة الاعتراف و الندم.
و الأمل واحد: مغفرة الذنوب, و ستر العيوب.
وحدة حقيقية, من عاشها تمنى أن يدوم الحج و لا ينتهي.
في خضم فقدان الأمل و الإحباط, الذي تعيشه هذه الأمة, يثبت لنا الحج أن الوحدة ممكنة ...
يثبت لنا الحج أن اتفاق الكلمة حاصلة مرة في كل سنة, و لكننا عنها غافلون.
نعم, يختلف المسلمون في الحج, فمنهم المفرد, و منهم القارن, و منهم المتمتع.
منهم من يرى وجوب طواف القدوم دون الوداع, و منهم من يرى وجوب طواف الوداع دون القدوم.
منهم من يرى جواز رمي الجمار قبل الزوال, و منهم من يرى عدم جواز ذلك.
و لكن, و مع كل ذلك الخلاف في الفروع, يبقى الدرب واحد, و السير واحد, و لا يكاد هذا الخلاف في الفروع أن يخدش سطح هذه الوحدة الراسخة.
فلماذا لا نتعلم الوحدة من هذا الحشد العظيم؟
لماذا نصر على الخلاف و التشتت, لا سيما و أن الأمم علينا تداعت, بل نهشت من جسد هذه الأمة نهشات, و نحن ما زلنا في اختلاف و هجران, نلوم غيرنا, و نبكي نوائب الدهر.
نعيب زماننا و العيب فينا و ما لزماننا عيب سوانا
فلنتعلم من الحج كيف نتحد, و لنجعل ديدننا و هدفنا أن نتحد جميعا على كلمة التوحيد التي بني عليها ديننا, و لننبذ الفرقة, فإن الذئب لا يأكل إلا من الغنم القاصية.
قال تعالى: ((و اعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرقوا و اذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا و كنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون)).
أقول قولي هذا و استغفر الله لي و لكم و لسائر المسلمين, فاستغفروه, إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد على إحسانه, و الشكر له على توفيقه و امتنانه, و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيما لشانه, و أشهد أن محمدا عبده و رسوله الداعي إلى رضوانه, صلى الله عليه و على آله و أصحابه و أتباعه,
و بعد,
أخي الحاج,
يا من كتب الله لك أن تحج, و يسر عليك سبيله هذا العام, تذكر فضل الله عليك, فإن الله قد اصطفاك من مليار و نصف مسلم, و اختارك لتكون أنت ضيفه, فيا له من شرف عظيم, أن تستضاف في المشاعر القدسة, و تؤدي الركن الخامس من أركان الإسلام.
احرص, يا أخي الحاج, على التمسك بسنة النبي صلى الله عليه و سلم في حجك, فلا تقبل قول أحد ما حتى تعلم دليله, فأقوال العلماء محترمة بلا شك, و يستنار بها, و لكنهم رجال غير معصومين, يستدل لأقوالهم, و لا يستدل بها:
قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: ((إذا صح الحديث فهو مذهبي, و لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه))
و مالك إمام دار الهجرة قال و قد أشار نحو الحجرة
كل كلام منه ذو قبول و منه مردود سوى الرسول
و الشافعي قال إن رأيتمو قولي مخالفا لما رويتمو
من الحديث فاضربوا الجدار بقولي المخالف الأخبار
و أحمد قال لهم لا تكتبوا ما قلته بل أصل ذلك فاطلبوا
قال النبي صلى الله عليه و سلم: ((لتأخذوا عني مناسككم)) (رواه مسلم)
فالعلم مقدم على القول و العمل, و قد بوب البخاري رحمه الله في صحيحه: ((باب: العلم قبل القول و العمل)), و لا يعني هذا الكلام أن نترك كلام العلماء, فهم حملة الشريعة, و هم الذين فرغوا نفسهم لتلقي العلم, و لكن على المرء أن يحرص على أخذ العلم مع دليله, حتى تبرأ ذمته, و تكتمل سعادته.
أخي الذي لم يكتب له الحج في هذا العام,
تذكر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يكتب له الحج إلا في آخر عام في حياته, فليكن لك أسوة, و سل الله تعالى أن يرزقك حجة قبل وفاتك ..
و لكن المطاف لا ينتهي عند عدم ذهابنا للحج, فإن الله قد شرع لنا من العبادات, ما يجعلنا نشارك إخواننا الحجيج في هذا الموسم العظيم, حتى تتحد الأمة كلها على عبادة ربها و تعظيم شعائره.
((ذلك و من يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب))
قال تعالى: ((و الفجر و ليالي عشر)).
قال ابن كثير رحمه الله: ((المراد بها عشر ذي الحجة قاله ابن عباس و ابن الزبير و مجاهد و غيرهم و رواه الإمام البخاري)).
و قال تعالى: ((و يذكروا اسم الله في أيام معلومات)), قال ابن عباس: ((أيام العشر))
فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ((ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله منه في هذه الأيام العشر . قالوا ولا الجهاد في سبيل الله !! قال : ولا الجهاد في سبيل الله ، إلا رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء)) أخرجه البخاري
فالله تعالى حث على العمل الصالح في هذه الأيام العشر لشرف الزمان في سائر الأمصار, و لشرف المكان بالنسبة للحجيج.
قال ابن حجر رحمه الله: ((و الذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادات فيه, و هي الصلاة و الصدقة و الحج, و لا يتأتى ذلك في غيره)).
و كان سعيد بن جبير رحمه الله إذا دخلت العشر اجتهد اجتهادا حتى ما يكاد يقدر عليه. (رواه الدارمي.
أما عن الأعمال التي تستحب في هذه الأيام فهي:
أولا: التهليل و التكبير و التحميد: فعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال صلى الله عليه و سلم: ((ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد)) . أخرجه احمد 7/224 وصحّح إسناده أحمد شاكر.
و كان ابن عمر و أبو هريرة رضي الله عنهما يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران, و يكبر الناس بتكبيرهما)) رواه البخاري.
ثانيا: الصيام, فيسن للمسلم صيام تسع ذي الحج, فعن هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر . أول اثنين من الشهر وخميسين " أخرجه النسائي 4/205 وأبو داود وصححه الألباني في صحيح أبي داود 2/462.
و تتأكد سنية صيام يوم عرفة لغير الحاج, لقول النبي صلى الله عليه و سلم: ((صيام يوم عرفه أحتسب على الله أنه يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده)) [ رواه مسلم ]
ثالثا: الأضحية: فيسن للمضحي أن يأكل من أضحيته, و يهدي و يتصدق لقوله صلى الله عليه و سلم: ((كلوا و أطعموا و ادخروا)).
و تكفي أضحية واحدة من الضأن أو المعز عن أهل بيت واحد, فعن أبي أيوب رضي الله تعالى عنه قال: كان الرجل في عهد النبي صلى الله عليه و سلم يضحي بالشاة عنه و عن أهل بيته (رواه الترمذي و صححه).
و على المضحي أن يمسك عن الأخذ من شعره و أظفاره إذا أراد أن يضحي, ابتداء من دخول ذي الحجة, لقول النبي صلى الله عليه و سلم: ((إذا رأيتم هلال ذي الحجة و أراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره و أظفاره حتى يضحي)) رواه مسلم.
والحكمة من ذلك: أن المضحى لما كان مشابهاً للمحرم في بعض أعمال النسك وهو التقرب إلى الله بذبح القربان أعطي بعض أحكام المحرم.
و من أخذ منهما عمدا, فعليه التوبة و الاستغفار, و ليس عليه فدية, و أضحيته صحيحة.
رابعا: الإكثار من الأعمال الصالحة عموما لفضيلة هذه الأيام.
و لنتذكر نقطة مهمة, و هي أنه يلي هذه الأيام عيد الأضحى, و هو من مواطن الفرح لدينا و السرور, فلنحرص على جعل هذا العيد, عيد فرح و سرور لأبنائنا و أهلينا, لا سيما هنا في هذه البلاد, و في وقت يصادف عيدنا عيد الميلاد لدى النصارى, و ما يتبع ذلك من أنوار و أشجار و مهرجانات, فإن هذه المناظر تفتن الأبناء, فعلينا أن نحرص على إسعادهم, حتى لا ينظروا لأعياد غيرنا نظرة الإعجاب.
ثم تذكروا أن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه, و ثنى بملائكته المسبحة بقدسه, و ثلث بكم يا معشر جنه و إنسه: فقال: ((إن الله و ملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه و سلموا تسليما)).
اللهم صلي على محمد و على آل محمد, كما صليت على إبراهيم و على آل إبراهيم, و بارك على محمد و على آل محمد كما بركت على إبراهيم و على آل إبراهيم, إنك حميد مجيد.
اللهم ارضى عن خلفائنا الراشدين المهديين, و عن سائر الصحابة أجمعين, و التابعين, و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم سلم الحجاج و المعتمرين, و اجعلهم من الفائزين الغانمين, و ارزقنا حججا عديدة, يا أرحم الراحمين.
اللهم وفقنا للأعمال الصالحة في عشر ذي الحجة, و اجعلها لنا حجة.
اللهم آتي نفوسنا تقواها, زكها أنت خير من زكاها, أنت وليها و مولاها.
اللهم أعز الإسلام و المسلمين, و أذل أعدائك أعداء الدين, اللهم ارفع الكرب و الضر عن إخواننا المسلمين المستضعفين في كل مكان, برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم ابرم لهذه الأمة أمر رشد, يعز فيه أهل طاعتك, و يذل فيه أهل معصيتك, و يأمر فيه بالمعروف, و ينهى فيه عن المنكر.
اللهم ولي على المسلمين خيارهم, و اصرف عنهم شرارهم, و وفق المسلمين في كل مكان لتحكيم شرعك.
((إن الله يأمر بالعدل و الإحسان و إيتاء ذي القربي و ينهى عن الفحشاء و المنكر و البغي يعظكم لعلكم تذكرون))








