نبض القلم
ينبض القلم ... قد يبوح بالألم ... أو يطنطن للفرح و الحلم ... هكذا نبض القلم !!!
اكتشافات في الغرب (الجزء الثاني)

 

قد مضى على إقامتي الثانية في الغرب ما يزيد على ثلاثة أشهر الآن, و كما قد ذكرت آنفا, هذه هي إقامتي الثانية في الغرب, و للإنصاف فبلاد الغرب ذات مساحة جغرافية شاسعة, و هذه البلاد تختلف من بلد لأخرى في لغاتها, و عادتها, و اتجاهاتها السياسية, فمن الظلم أن نوسم الغرب بوسمة واحدة, نعم هناك نقاط اتفاق عديدة, و لكن نقاط الخلاف أيضا موجودة, و لا بد لنا أن نأخذ هذه بعين الاعتبار و نحن نتحدث عن الغرب, و لكن بصفة عامة, القاسم المشترك بين دول الغرب هو أنها دول تتبنى الليبرالية الفردية, فنستطيع أن نتحدث عن الغرب بعمومية على وفق هذا القاسم المشترك, مع الأخذ بعين الاعتبار أن مفهوم الليبرالية الفردية قد يختلف من دولة لأخرى. الليبرالية الفردية هي ببساطة تقديم مصلحة الفرد على مصلحة المجتمع, فحرية الفرد هي الأولوية الأولى, ينبني على هذه الفسلفة أن الدول التي تتبنى الليبرالية الفردية لا تحبذ تدخل الحكومات كثيرا, و على نقيض هذه الفلسفة هناك فلسفة الإشتراكية التي تقدم مصلحة المجتمع على مصلحة الفرد مطلقا, و الإسلام في الوسط كما هو دائما.

هذه الاكتشافات ليست اكتشافات علمية, و لا أدعي أنني من اكتشفها قبل غيري, ما هي إلا خواطر شاب عاش بين ثقافتين أحب أن يبوح بما يجوب في مخيلته من أفكار, و لكل الحق في التعبير, و لا أقصد بهذه الاكتشافات أن انتقص ثقافة الغرب بقدر ما أريد أن أبين ماهيتها لا سيما للإنسان الشرقي الذي طالما يسمع عن الغرب (بإيجابية أو سلبية) و لم يسبق له رؤية الغرب بنفسه.

مما اكتشفته مع مضي هذه الشهور الثلاثة, بأن الإجابة على الأسئلة ليست سهلة, و الطلاب في المدارس و الجامعات هنا مدركون لهذا الأمر, فإقناعهم صعب, بل ينتظرون الدليل تلو الدليل, و لذلك تجد الكثير من المعلمين لا يهتمون بإعطاء الأجوبة بقدر ما يهتمون بتنمية مهارات البحث و التساؤل العلمي لدى الطالب, فلذلك قد يبدو للطالب الجديد في المؤسسات الغربية التعليمية بأن المعلم لا يزيد المادة العلمية إلا تعقيدا, لأن الطالب العربي نشأ على أسلوب التلقين, فكل ما يقوله المعلم مقبول, و نادرا ما يناقش, ليس لأن المعلم لا ينطق عن الهوى, بل لعوامل مختلفة, من أهمها كسل الطالب, و نظرة الكثير من المعلمين للمناقشة و كأنها مغالطة أو تخطئة, أما في الغرب, فالمعلم لا يشعر بذلك, بل بالإضافة إلى ذلك فهو لا يستحي من الجهل بمسألة معينة, و إن كان من أكبر الدكاترة, بل لو سمعت محاضرة بعض الدكاترة المتمكنين, و سمعت كثرة قوله لجملة ((لا أعلم)) لحكمت عليه بالجهل. و هذا يوافق مبدأنا الإسلامي الذي طالما يُسطر في كتب أهل العلم: ((لا أدري نصف العلم)).

و ينبني على ذلك (و هو الاكتشاف الثاني) بأن المؤسسات الأكاديمية تحترم التخصصية, فالمتخصص دائما ما يقدم, بل من العجب أنك تجد بعض المعلمين يقدمون الطالب عليهم في بعض المواد لزيادة تخصص الطالب فيها, و يوقر رأيه, بل و يشجعه على تصحيح معلوماته إن أخطأ.

و اكتشفت في الغرب, بأن المرأة حرة في كل شيء إلا العبودية لرب العالمين, فلها أن تتعرى في الشارع دون نكير, و لها أن تمارس البغاء دون نكير, و لها أن تمارس السحاق دون نكير ... إلخ, أما إن أرادت أن تحتشم فسرعان ما ينظر إليها الناظرون بإنكار, و يرون بأنها مظلومة, و ليست محررة, فسبحان الله, ما أسذج عقولكم؟ التي تُعبِد نفسها لنظرات الرجال الوقحة, أو لثقافة التعري تعتبر حرة, و التي تحتشم عن نظرات رجالكم ليست متحررة؟ و هل فرض الحجاب إلا لتمييز الحرة عن الأمة (مع اعترافي بحكم  وعلل الحجاب الأخرى)؟ و على هذا الأساس, فمن هي التي تتصرف كالحرة, و من هي التي تتصرف كالأمة؟ لا تعليق !!!

اكتشفت بأن المسلمين في الغرب (و لا سيما في شمال أمريكا) أصبحوا و كأنهم أمة مسلمة مستقلة, فبدأوا بتكوين هويتهم و مرجعيتهم الخاصة, و هذا يرجع لتقصير علمائنا و فقهائنا في بناء جسر تواصل أو إيجاد لغة تفاهم بينهم و بين مسلمي الغرب, فظروف الغرب تختلف, و أحوال المسلمين عندما يكونوا في الأقلية تختلف عما تكون عليه عندما يكونوا في الأغلبية, نعم المسلمون هنا لديهم الحرية في ممارسة دينهم, و لكن الظروف الاقتصادية, و الاجتماعية تحد من هذه الحرية, و إن كانت موسع لها من جانب القانون, فهذه البيئة أوجدت نوازل متجددة, و أحوال مختلفة, لا يدركها إلا من عاش فيها, فلذلك كان لزاما على العلماء أن يتفطنوا لذلك, و أن يحرصوا على معالجة هذا الأمر, لأن هذا الاتجاه اتجاه (اتجاه بعض المسلمين في الغرب كما ذكرت في مقدمة الفقرة) يفتقر للمنهجية العلمية الشرعية, فقد يؤدي إلى خلل كبير في المستقبل لا يحمد عقباه, و لعلي أتوسع في التطرق لهذه المشكلة في مقالة لاحقة.

هذه أبرز الاكتشافات المتجددة لدي, و أرحب بكل من أراد أن يضيف عليها عن طريق التعليقات, فهي ليست جامعة أو مانعة, و أرى أننا بحاجة شديدة لدراسة الغرب دراسة عن قرب, حتي نستطيع أن نميز النفيس من الغث, و نستفيد من مقومات نجاحهم, و نتجنب مقومات الفشل لديهم, و نتجنب كذلك ما يخالف ديننا الحنيف, و ليست هذه دعوة لتقليد الغرب, فالأمم لم تنهض أبدا بأسباب نهوض الأمم التي سبقتها, فكل أمة تنهض على طريقتها و خصوصيتها, هكذا صعد الإسلام للقمة, و لن يعيد المسلمون هذه صدارة إلا بذلك, و لا يمنع ذلك من الاستفادة من غيرنا, فنبينا صلى الله عليه و سلم تبنى مهارة الخندق و المنجنيق من الفرس, و لكن مع ذلك, بقيت الخصوصية, فرفرفت الحضارة التي لم يشهد مثلها التاريخ.

أعادها الله لنا.

أعادها الله لنا.

أعادها الله لنا.

كتبه

حامد بن محمد هرساني

29-10-1428 هـ

10-11-2007 م

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية