نبض القلم
ينبض القلم ... قد يبوح بالألم ... أو يطنطن للفرح و الحلم ... هكذا نبض القلم !!!
الكتابة اللاموضوعية, و تعرضها للمشاكل الاجتماعية

من خلال قرائتي لبعض المقالات الإعلامية التي تنشر و تكتب في صحفنا (في السعودية بالأخص) وجدت سمة منتشرة و متفشية, و هي الفقر البالغ في التعامل مع المواضيع المطروحة بموضوعية, أو عدم انحيازية, فهناك من ينتقد تشدد الهيئة, على سبيل المثال, دون أن يتحدث عن تفلت الشباب, و هناك من يغضب من عدم السماح بقيادة المرأة للسيارة و تأثير ذلك على العائلة السعودية بدفعها لراتب السائق, و كم يؤثر ذلك على الاقتصاد السعودي, و لا يتحدث عن تأثير أجور الخادمات على العائلة السعودية, بل على الاقتصاد السعودي أجمع, و هناك من يتحدث عن تحرير المرأة, و يتغافل بدوره الحديث عن إصلاح الفئة المنحرفة من نسائنا, و هي موجودة.

التطرق لهذه المشاكل (و هي فيض من غيض) بهذه الأساليب اللاموضوعية ليس فقط تطرقا يفقد الشرعية الأكاديمية, بل هو أيضا (و هذا هو الأخطر بنظري) يعد غبنا فاحشا للقارىء الذي قد يكون أقل ثقافة من الكاتب بمراحل. هذه الانتقادات لا تدعوا, بطبيعة الحال, إلى حتمية التحدث عن شمولية كل المواضيع على حساب التحدث عن أجزاء المواضيع, و لكن مما لا بد أن لا يُتساهل فيه أن يكون المقال أو الكاتب مشيرا إلى كامل إطار المشكلة, و لو بإشارة بسيطة غير مفصلة.

و مما قد يسبب هذه المشكلة (و هي مشكلة اللاموضوعية) وجود الأجندة السابقة لدى الكاتب, و تكون هذه الأجندة مغروسة في قلب الكاتب بحيث لا يمكن له أن يتخلى عنها البتة, فيقرأ النصوص أو المجتمع بطريقة توافق أجندته, فيلوي النصوص, و قد يحرف الحقائق, بل و ينتحل مهنة الشيخ, و عالم النفس, و عالم المجتمع, و يدندن برطانة عجيبة حتى يجعل كافة المؤشرات تشير إلى صحة رأيه, تبعا لهذه الأجندة المسبوقة. و بالمناسبة, فقراءة النصوص (الشرعية, أو القانونية أو غيرهما) بعقلية تحوي أجندة مسبوقة, تعد من أسوء الطرق في البحث العلمي, الذي يهدف إلى الوصول للحقيقة, ذلك لأن هذا القارىء لديه رأيا أو قناعة معينة قد وصل إليها, و بقي أن غرضه من قراءة النصوص هو أن يجد ما يثبت رأيه, و يزيد في تشييد بنيانه. أما القراءة الموضوعية للنصوص, فهي التي يكون القارىء فيها متجردا (و لو أثناء قرائته فقط) عن أجندته المسبوقة سامحا للنصوص بأن تتحدث هي ليصل هو إلى الحقيقة, فالفرق هو باختصار أن القارىء الموضوعي يجعل النصوص تقوده إلى الحق, و القارىء اللاموضوعي يجعل الحق الذي يعتقده يقوده إلى النصوص التي توافق هذا الحق بطريقة ما.

و من أسباب هذه المشكلة, سياسة الصحف و المجلات (و أعترف بأنها السياسة الغالبة في العالم بأسره) التي تبحث عن المقالات و الكتابات الأكثر إثارة, و التي تزيد من المبيعات و الرواج, فمحرري هذه الصحف و المجلات لا يهمهم البعد الأكاديمي بقدر ما يهمهم التسويق و البيع, و هذه المشكلة قد يتساهل المرء في التعرض لها إذا كان أفراد المجتمع لا يعتبرون الصحف مصادر للثقافة, و لكن الرزية الكبرى هي أن الكثير من أفراد المجتمع يعتبرون بأن الصحف و المجلات مصادر رئيسية للثقافة, و كلمة ((قرأت ذلك في المجلة الفلانية)) يكون بمثابة النص الفاصل عند بعض الفئات, فهذه النقطة تتحدث عن مشكلتين متزامنتين, مشكلة الأهداف التسويقية للصحف و المجلات, و مشكلة اعتبار الكثير من فئات المجمتمع هذين المصدرين مصدرين رئيسيين للثقافة, فكل أحد يقرأ الصحف, من سائق سيارة الأجرة إلى رئيس الدولة.

و للمشكلة أسباب أخرى, و لكن حلها هو الأهم, و الأصعب كذلك. من الصعب أن يُطلب من الصحف و المجلات أن تصبح مؤسسات ثقافية بكامل معنى الكلمة, بحيث تبحث عن الموضوعية الكاملة, لأن هدف نشأتها في الأصل هو هدف تجاري و ربحي فهي لا يهمها غضب الناس من فرحهم و ابتهاجمهم, إذا واصلوا في دفع أموالهم إليها, و من الصعب أيضا أن تتوقع من كل الكتاب أن يتعاملوا مع النصوص و الوقائع بلا أجندة مسبقة لأن هذه طبيعة البشر, فعندما قال إبراهيم للنمرود (لما ادعى النمرود الألوهية) بأن الله يحيي و يميت, قال النمرود (بحسب أجندته المسبقة التي تقول له بأنه هو الرب) بأنه هو يحيي و يميت, محرفا لهذا المعنى لمعنى القتل و عدم القتل, فطبيعة البشر غالبة. الحل من وجهة نظري, و هي فكرة ما زالت حديثة في مهدها تحتاج إلى المزيد من البحث, هو أن تؤسس مؤسسة لا ربحية تجمع بعض نخب المجتمع, و تبث هذه المؤسسة صحيفة يومية لها شقين. الشق الأول, و هو الأهم, ما يتعامل مع المشاكل الاجتماعية و الاقتصادية و الشرعية و غيرها تعاملا مبادرا, فيبادر كتاب هذا الشق بالتحدث عن المستجدات التى تواجه المجتمع, و الشق الثاني يتعامل مع الصحف الأخرى بتعامل الردة فعل, فيبين ما وقع فيه بعض الكتاب من أخطاء في عزو النصوص, أو تفسيرها, أو تحريفها, أو الخطأ في تشخيص الواقع إلخ.

و لكن, مع ذلك تبقى مشكلة أخرى, و هي مشكلة كيفية ترويج صحيفة هذه المؤسسة, أكثر الناس سيرغبون عن صحيفة يعلوها الطابع الآكاديمي, لا يوجد فيها من الإثارة ما قد يوجد في الصحف الأخرى. قد تُحل المشكلة من الناحية التسويقية, في اتقان تسويق هذه الصحيفة, و لكن هذا لا يكفي. ما سيروج هذه الصحيفة, بالإضافة إلى اتقان تسويقها, هو فنها في عرض المواضيع الحساسة التي تهم المجتمع بطريقة يستطيع أي من أفراد المجتمع قراءتها, بعدم تعقيد عبارات الكتابات, لأنني مؤمن بأن أفراد المجتمع يشعرون بهذه المشكلات المزمنة, و هم بطبيعة الحال يريدون أن يسمعوا حلولا علمية, و منطقية, و ثقافية لها, خلافا لبعض ما يقرأون في الصحف التسويقية من خدش للحقائق, و تعرض سقيم للمشاكل لا يكاد يفي بالغرض, و في غالب الوقت يكون هداما ليس بناء.

 

كتبه

حامد بن محمد هرساني

9-10-1428

21-10-2007

 

 

(2) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 26 اكتوبر, 2007 12:47 ص , من قبل mies1959
من المملكة العربية السعودية

اعجبني طرح فاحببت ان اعلق
واستفيد من ردك
بحكم اطلاعي على صحافتنا وهو اطلاع بسيط
بحكم الوقت اقراء يوم واتركها مائة يوم
وانا شخص بسيط الهتني الحياة عن مجتمعي
قد لاحظة مايكتبة الكتاب من جميع شرائح المجتمع
وقبل ان اقراء المقال احاول ان اقراء الكاتب بحدود مايسمح لي مقال وغالبا استنتج من كاتب المقال اكثر من المقال ولا الوم ماكتبة ومايرمز لة سواء من فكر او هدف
يااخي الفاضل
كتابنا هم شبيهين بمجاهديين المتشددين الذين يرون انهم على حق واعلم من غيرهم ولا مجال للمناقشة معهم او حتى الحديث حول فكرهم مع مايفتقرونة من فكر وعقل
من هم المتسلقون وطبالون
والمتعالون وغيرهم هم جزء من المجتمع
مجتمع حديث الولادة تكون من بدوا رحل وطبقة كادحة اتت لكي تحسن ظروف معيشتها
حتى لو تم تكوين صحيفة مستقلة سنرا فيها نفس الفكر وهم سياتون اليها
عندما انظر لمجلة او صحيفة اكاديمية كتابها من طلاب الاعلام في مستقبل القريب تجدهم نفس الكتاب الحاليين الذين سبقوهم للعمل
الاعلام كما يقولون هو السلطة الرابعة ولا استغرب مايحدث عندما اعلم
ان اسوا الطلاب تحصيلا يكونوا هم الاعلاميين

ولكل قاعدة شواذ ولكنة الاغلب

لوحدث ان اصبح الاعلام والقبل لكليات الشريعة والادب لافضل طلاب واكثرهم تحصيلا علميا هل سيحدث مايحدث الان ؟

لا تاخذني على ركاكة الخطاب فانا شخص بسيط يتسال فقط

اضيف في 08 مارس, 2008 10:40 ص , من قبل ريان جمال
من المملكة العربية السعودية

مقالك رائع ويصيب عين الحقيقة أخي حامد.
من وجهة نظر أكاديمية وعلمية أنت على صواب مئة بالمئة. لكن مطالبك ليست عملية. فالصحف التي تجانب "الأكاديمية الشرعية" على حد قولك والتي تقرأ النصوص بأجندة مسبقة هي انعكاس لعقليات الناس.
عقليات الناس لا تخلو من تأثير الطبيعة عليها فكل يقرأ بأجندته المسبقة. ولا تخلو من تأثير التأخر الثقافي الذي يعيشه مجتمعنا والذي يقرأ الأمور قراءة سطحية وغير حيادية.
الله يصلح الحال.
لا بأس بأن نحلم لأن الحلم مجاني.



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية