نبض القلم
ينبض القلم ... قد يبوح بالألم ... أو يطنطن للفرح و الحلم ... هكذا نبض القلم !!!
عبر و درر من عاشوراء !!!

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

الحمد لله الذي وسع الخلائق خيره و لم يسعهم غيره.

 

الحمد لله على كل النعم     و من النعماء قولي لك الحمد

 

ثم الصلاة و السلام الأتمان الأكملان على المبعوث رحمة للعالمين, نبينا محمد و على آله و صحبه أجمعين ...

 

أما بعد, فإن للرب نفحات, يتعرض لها أهل الخيرات, و يحرم عنها المحروم بذنبه, و يقصر فيها المقصر بشطحه. و هذه النفحات من كرم الكريم, و من تودد الودود الرحيم, فلا تسأل عن الكريم إن أكرم, و إن أسبل على عباده البركات و أنعم.

 

و من هذه النفحات و زاد الطاعات يوم عاشوراء, يوم نجى الله فيه موسى عليه السلام و بني إسرائيل من فرعون كما ورد في صحيح البخاري(1865): ((عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَقَالَ مَا هَذَا ؟ قَالُوا : هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ ، هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ فَصَامَهُ مُوسَى، قَالَ فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ "))

 

فهو يوم فيه عبر, و منها:

 

1)   أن المسلم يصوم هذا اليوم فرحا لنجاة  وإظهار الحق وشيوعه, و يُستمَد من هذا أن الفرح بظهور الحق أولى من الفرح  بانقضاء الباطل (و إن كان المسلم يفرح  للاثنين), لأن النبي صلى الله عليه و سلم لم يجعل سبب الصيام هلاك فرعون, مع أن هلاك فرعون من أعظم أسباب الفرح, لأنه من أكبر طواغيت التاريخ.

2)   أن في تذكر و صيام هذا اليوم عبرة لليهود, فقد كانوا في زمن موسى شريدين طريدين, ليس لهم مأوى, فنجاهم الله بإيمانهم, و هو القادر كذلك على إذلالهم مرة أخرى, لا سيما الآن و مع ظهور قوتهم, و بروز شوكتهم.

3)   أن الله سبحانه و تعالى لا يترك عباده الصالحين سدا, ليعبث فيهم كل عابث, بل لهم النصر و التأييد من الله, تأخر ما تأخر, و إن كان العدو قويا و سليطا كفرعون.

4)   أن سنة الله في إهلاك الظالمين عجيبة, فكان هلاك فرعون في الماء الذي هو سبب حياة كل شيء بإذن الله لقوله تعالى: ((و جعلنا من الماء كل شيء حي)), فكما أن الماء من نعم الله العظيمة, فهو كذلك جند من جنود الله, يسلطه على من شاء, فقد هلك فرعون ذا الجبروت من الماء, ففي هذا غاية الإذلال.

5)   و من العبر و الفوائد, أنه لا حرج على المسلم أن يسأل عن طقوس الديانات الأخرى ليعلم أسبابها, لأن النبي صلى الله عليه و سلم سأل عن سبب صيام يهود, فإن المسلم لا بد أن يكون ملما مثقفا, حتى لا يؤخذ على غرة, و في هذه المعرفة زيادة في الإيمان بأن الإسلام حق, و كذلك تمكُن من الرد على الطوائف الأخرى بمصداقية أكبر إذ أنه يكون العلم بها أكثر.

6)   أن ربط الحكم أو الفعل بعلته مما يزيد في الإذعان و القبول, و قصد الامتثال من أجل هذه العلة يزيد في الأجر كما قرر ذلك الأصوليون, و هنا قد رُبط الفعل و هو الصيام بعلة أن هذا اليوم قد نجى الله تعالى فيه موسى عليه السلام من فرعون.

7)   أن الدولة الإسلامية تسمح لأهل الكتاب المقيمين فيها أن يقيموا طقوس دينهم بشرط أن لا تُظهر الشرك أو تُؤثر على المسلمين و  بشروط و ضوابط حددها أهل العلم و الفقه, و مظانها في كتب الفقه, لأن النبي صلى الله عليه و سلم لم يمنع اليهود من إقامة شعيرة صيامهم, إلا في جزيرة العرب لأن آخر ما نقل عن النبي صلى الله عليه و سلم أن قال : ((لا يترك بجزيرة العرب دينان)) صححه الألباني في كتاب أحكام الجنائز (رقم 13), و لا يقال بأن هذا الإقرار, أي صيام اليهود لعاشوراء, كان في جزيرة العرب فمن أين الاستثناء؟ لأن النبي صلى الله عليه و سلم أجلى اليهود من المدينة فيما بعد, ثم أجلاهم من خيبر, فلم يطبق هذا الإقرار فيما بعد, عندما قوية شوكة الإسلام في جزيرة العرب. و بقي الحكم على أصله خارج جزيرة العرب.

8)   أن التحريف في أديان اليهودية و النصرانية تحريفا بالغا, و لكنه لم يقع على كل جزئيات هذين الدينين, و مما لم يُحرَف صيام يوم عاشوراء, و لو كان محرفا لما صامه النبي صلى الله عليه و سلم و لا أمر بصيامه.

     9)   أن اليهود عندهم نقل لأخبار أنبيائهم كالسنة عندنا, مع التحريف البالغ الواقع فيه, لأن خبر صيام موسى لعاشوراء لم ينقل في التوراة على حسب علمي.

     10)  أن صيام يوم عاشوراء لا يبيح لنا مشابهة أهل الكتاب, و لا يدل على ذلك, لما روى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ((حِينَ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ قَالَ فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)) رواه مسلم (1916), و كذلك فعل النبي صلى الله عليه و سلم من إدراج عبادة من عبادات اليهود في شرعنا لا يقاس عليه, لأن النبي صلى الله عليه و سلم مشرع و فعل ذلك بنور الوحي, فأصبح هذا الصيام من أعمال شرعنا الأصلية, و كذلك لأن علة القياس في صيام عاشوراء قاصرة و هي الصيام من أجل أن الله عز و جل نجى موسى عليه السلام من فرعون, و العلة القاصرة هي المختصة بمحلها لا تتعدى إلى غيره, و لأن الصيام لم يٌشرع بمجرد فعل اليهود, لأن كتبهم و أفعالهم محرفة من حيث الأصل, و لكن شرع بإقرار الشرع, و هذا يستحيل أن يحدث بعد وفاة النبي صلى الله عليه و سلم.

 

 

ثم أحب أن أبين فضيلة صيام هذا اليوم كما ورد في السنة المطهره لعله أن يكون بعد ذلك أدعى لصيامه:

 

قال النبي صلى الله عليه و سلم: (( وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ)) رواه مسلم (رقم 1162).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ))وَتَكْفِيرُ الطَّهَارَةِ , وَالصَّلاةِ , وَصِيَامِ رَمَضَانَ , وَعَرَفَةَ , وَعَاشُورَاءَ لِلصَّغَائِرِ فَقَطْ)) الفتاوى الكبرى (ج5), لأن الكبائر تحتاج إلى توبة.

و كذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما: ((مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَحَرَّى صِيَامَ يَوْمٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ إِلا هَذَا الْيَوْمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَهَذَا الشَّهْرَ يَعْنِي شَهْرَ رَمَضَانَ)) رواه البخاري (رقم1867).

 

و في الختام, لم أتطرق إلى ما يحدث من مخالفات صارخة في هذا اليوم لدى بعض الفرق, لأن هذا مجال تفصيله في مقام آخر.

أسأل الله في الختام أن يوفق الجميع لصيام هذا اليوم الفاضل, و لجميع أعمال الخير في جميع مواسم الخير, إنه ولي ذلك و القادر عليه.

 

و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 
 
 
نبض القلم

(2) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية